ممارسات وأخلاق القادة تصنع الفرق!

أ‌. د. محمد صايل الزيود، أستاذ في قسم القيادة التربوية والأصول، كلية العلوم التربوية، الجامعة الأردنية

يبرز على مستوى العالم قيادات وشخصيات عالمية استطاعت بفضل توليها مسؤولية قيادة مؤسساتها وشركاتها وجامعاتها ووزاراتها وهيئاتها ومنظماتها النهوض بها إلى مراتب غير مسبوقة من التميز والريادة وتجاوز مشكلاتها وظروفها الاقتصادية ومحدودية مواردها إلى حد التربع على سدة مجال عمل هذه المؤسسات خلال فترات زمنية وجيزة لا تقاس بعمر وطبيعة عمل هذه المؤسسات. ولعل هذه القيادات تمتلك ما يميزها على المستوى الشخصي والمهني ومستوى التربية والتعليم والمؤهلات والخبرات عن غيرها على نحو دفعها إلى التميز والعمل على إحداث فرق في عمل مؤسساتها ونقلها للتتبوأ مكانه مرموقة لم تكن لتتحقق بغياب هذه القيادات.


إن واقع الحال محليا وعربيا وعالميا يشير بلا أدنى شك إلى أن القادة هم من صنعوا و يصنعوا الفرق في كل مجالات الحياة بدءا من الأسرة والعائلة وشركات المال والأعمال والجامعات ومؤسسات التربية والتعليم وانتهاء بالدول ومؤسساتها وسلطاتها وآليات العمل بها. لذلك فإن شركات عالمية اليوم تجاوز رأس مالها الترليون دولار أي ألف مليار دولار ليس إلا بفعل وجود قيادات فذة متمكنة وصاحبة قرار وتملك الرؤية وتعرف الهدف وتجمع الجميع للعمل بروح واحدة متوقدة لتنجز وتسعى للمزيد من التميز دون الوقوف عند أي مشكلة كبرت أم صغرت.


هؤلاء القادة صنعوا الفرق في مؤسساتهم بغض النظر عن طبيعة عمل هذه المؤسسات، بالاعتماد على بنية موضوعية جبلوا عليها من التعليم رفيع المستوى المتخصص في مجال عمل مؤسساتهم أو قريب منه مما خلق منهم أصحاب دراية علمية وتخصصية فتحت لهم الأبواب لتقديم رؤياهم لكيفية التميز والريادة والتفكير خارج الصندوق في مشاريع ومجالات عمل وفي تجاوز المعيقات والتحديات. كما إنهم قادة أصحاب خبرة ودراية وتمرس في طبيعة العمل المؤسسي ووضع الخطط والبرامج، وأصحاب فكر متقد خلاق للتطوير والتحديث وخلق الفرص لمزيد من الإنجاز وهم بذلك لديهم سعة الاطلاع والمواكبة لعمل المؤسسة وما يصدر حولهم من مستجدات وتطورات.


قادة لديهم الأخلاق العالية في قيادة المؤسسات وقيادة البشر معهم على قاعدة أن البذل والعطاء والتفاني والانتماء والتضحية والمصداقية والشفافية والعدالة والنزاهة محركات لهم في عملهم، وفي كل إنجاز يسعون لتحقيقه بعيدا عن الحسابات غير الموضوعية والمصالح الآنية الضيقة التي حتما تأكل من سمعة القائد ومؤسسته. وهم قادة بمستوى عميق من التفكير والتفكر والتأمل في شؤون عمل المؤسسة وفي الشأن العام، لما لذلك من أثر في خلق الفرص الجديدة والمبدعة وكيفية القيادة بتميز للمؤسسة وفرق العمل بها.


قادة تميزوا بقوة الإصرار والعزيمة وروح المثابرة والمساءلة والمتابعة لأدق تفاصيل العمل سعيا لترسيخ ثقافة بأن الإنجاز يحتاج إلى تدقيق ومتابعة ومساءلة لضمان بقاء اتجاه المؤسسة صاعد نحو للقمة لا يأبه بالعواصف أو الأزمات التي تفتعل لاعتبارات في كثير منها شخصية وفئوية ضيقة. ويصنع القادة الفرق في مؤسساتهم عندما يتخذوا قراراتهم لاعتبارات مؤسسية بحتة وليس لاعتبارات شخصية أو فئوية. يصنع القادة الفرق بالترفع عن المكيدة والشللية والمناطقية والتصيد للأخطاء أو صنع المكايد لغيرهم، فمن يترفع عن هذه يسمو بعمله وإنجازه ويصعد بمؤسسته لتكون رائدة في سمعتها ومنجزاتها الحقيقة الواضحة والشاهدة على عطاء كل من يقودها بروح الفريق المتماسك صاحب الرؤية الواضحة والهدف الجلي.


لذلك فإن القادة الذين يصنعوا الفرق يتميزوا بالصفاء والنقاء وحرصهم الشديد على فريق العمل واعتبار أن كل فرد في المؤسسة جزء لا يتجزأ من فريق عملهم، يقدم لهم الدعم والتشجيع والتقدير بدءا من عامل التنظيف إلى ساعي البريد إلى من يتبوأ صناعة ووضع الاستراتيجات والخطط للمؤسسة، وكل أولئك بنظر القادة فريق قيادة المؤسسة نحو الريادة والتميز. ويصنع القادة الفرق ويحققوا التميز في إنجازات مؤسساتهم باحترام وتقديس القانون وترسيخ سيادته، ليحكم القانون المؤسسة وعملها ويحكم من يعمل ويتفاعل مع نشاطاتها بعيدا عن أي خرق لهذه القدسية والسيادة، وبما يضمن تحقيق تام للعدالة والمساواة ويرتقي بالمؤسسة لتكون عنوان للنزاهة والمصداقية التي إذا ما تكرست سترتقي بقيمتها الحقيقة المادية والمعنوية إلى رحاب أوسع.


يصنع القادة الفرق بالطاقة الإيجابية المتفائلة والراحة والطمأنينة والتشجيع والثناء وتقدير كل فرد في فريق العمل شخصيا وما يقدموه من عمل وإنجاز للمؤسسة وسمعتها والتي تبعث على العمل والإنجاز والعطاء بلا حد. إن هذه الممارسات المهنية والأخلاقية للقادة هي التي تصنع الفرق وهي الضمان للمؤسسات أن تسير في دروب التميز والريادة في مجالات عملها بعيدا عن الإعتبارت غير الموضوعية التي تأخذ المؤسسات للانهيار إذا ما سيطرت على عقلية من يقودها.


*يجوز الاقتباس وإعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الأصول العلمية المتبعة.

61 عرض