فلسفة التربية في العراق

زيد محمد عبد الله عبد الله


تشير فلسفة التربية إلى المحاولة الجادة للوعي بالمحركات الأساسية للعمل التربوي سواء من داخله، أو من داخل البنية المجتمعية في إطار من التحليل والنقد القائمين على استخدام الأدلة العقلية والبراهين المنطقية، والالتزام الدائم بمحكية الخبرة التربوية على أرض الواقع"(رجب، 2018: ص4). إن مصطلح فلسفة التربية يدل على ذلك الإطار التي ينبغي للتربية والتعليم أن تتأطر به والأفكار والرؤى المتكاملة التي ترسم لهذه العملية -من قبل كبار العلماء والمفكرين في المجتمع- والتي تتماشى مع طبيعة المجتمع وسياسته وتطلعاته وأهدافه، ورسم مرتكزاتها وآليات تطبيقها في تحليل قضايا المجتمع وتحديد المشكلات التربوية فيه والتعمق فيها للوصول إلى حلول يمكن تطبيقها في الإجراءات التربوية (خطاب، 2018). و تعنى فلسفة التربية برسم الأطر العامة للعمليات التربوية لجميع المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان وتعنى بحديد المراحل العمرية للإنسان والمضمون العلمي والتربوي -الذي يمكن أن يتلقاه ويتفاعل معه ويطبقه في كل مرحلة من مراحل عمره حتى يتهيأ لأن يكون عنصراً فاعلاً في المجتمع- وذلك مبني على دراسات ونظريات وتجارب علمية ونفسية واجتماعية.

يرى المشرع التربوي العراقي أنه لا بد من اعتماد فلسفة تربوية قائمة على قيم عليا وأسس حضارية خيرة لبناء مجتمع يتصف بالالتزام والانفتاح العلمي والحضاري متفاعل مع معطيات العصر الإيجابية يبنى على أساسها النهج التربوي والمنهج الدراسي والإعداد التعليمي بمختلف الأبعاد والأنشطة حتى تكون المؤسسة التعليمية أداة لإصلاح المجتمع وإعادة بنائه بناءً صحيحاً وحل مشكلاته والتخلص من مظاهر التخلف، والهدف المنشود من ذلك كله إيجاد حياة طيبة كريمة للإنسان، والتمهيد لنهضة علمية وثقافية شاملة، وتغيير اجتماعي يتجاوز ظروف القهر والاستبداد والتخلف والصراع الاجتماعي الهدام، ولبناء جيل مؤمن بالله سبحانه وتعالى، محب لوطنه معتز بهويته وشخصيته، عالم بالدور الإنساني المنشود منه في الأرض ويعرف كيف يوظف الظروف المحيطة به ويسخرها للتغلب على الصعوبات التي تواجهه باستخدام قدراته الذاتية والاستعانة بالظروف والإمكانات الطبيعية المتاحة لكي يتعايش مع الآخر ويتعاطى معه إيجابياً (فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).

لقد تمت مراعاة الفكرة العامة للمشرع التربوي العراقي للتنوع الذي تضمن أهدافاً إنسانية أساسها الإيمان بالله، وحب الوطن والاعتزاز به، والاعتزاز بحضارته، والحرص على بناء منظومته الأخلاقية على الخير، والسعي للاعتماد على النفس في النهوض بالمجتمع مع إمكانية الانفتاح العلمي على الآخرين بلا تقيد بدين أو طائفة أو قومية معينة، والسعي للإصلاح وتسخير الجهود للتغلب على الصعوبات والوصول بالمجتمع إلى قمة التقدم، وعدم القبول بالقهر والعنف ومصادرة الآراء. وهذه الأمور لم تأتِ من فراغ بل هي نتاج لتحليل واقع مرير مر به المجتمع العراقي لفترات طويلة )خطاب ، 2018).

إن التجربة الإنسانية أثبتت عدم إمكانية تطور العملية التربوية والتعليمية بدون تهيئة الأجواء المناسبة التي تتمثل بإعطاء المتعلمين الحرية المناسبة وإتاحة الفرص لهم لتبادلوا الأفكار وتعميق مبدأ تقبل الرأي الآخر ونشر ثقافة الحوار والنقد الذي يؤدي إلى تفعيل قابلية تقييم الأفكار والتمييز بين الآراء وفق وعي سليم ومبادئ صحيحة، والواقع في العراق يحكي خلاف هذا، فالعملية التربوية وصلت إلى أدنى مستوياتها في ظل الإرهاب الفكري والاستبداد السياسي وثقافة التلقين وتجميد العقول، التي عادة ما تمارسها الأنظمة المستبدة مما ينعكس سلباً على رؤية عموم أبناء المجتمع العراقي لقضية التعليم والفوائد المترتبة عليه. وتتصمن فلسة التربية في العراق موجهات تتضمنها أهداف متنوعة ومتعددة للنظام التربوي أبرزها الأتي: الأهداف التربوية: ينص الهدف الشامل للفلسفة التربوية للدولة العراقية على "تنشئةِ جيلٍ مؤمنٍ بالله سبحانه وتعالى وبرسله وبأمته الإسلامية والعربية، محبٍ لوطنه، عاملٍ على ترسيخ الوحدة الوطنية، متسلح بالعلم والخلق القويم، آخذ بالتفكير العلمي منهجاً ومحتوىً وفكرةً وتطبيقاً، معتمدٍ العملَ والتعلمَ الذاتيَّ عنصراً أساساً في نشاط الإنسان الحضاري وتقدم مجتمعه وتماسكه وتنمية قوته الشخصية وتطوير قدراته على الفاعلية والبناء، مستوعبٍ لمعطياتِ التطور الحضاري، منفتح بوعيٍ على الفكر الإنساني في إطار من الأصالة المعاصرة مع الحفاظ على تراثها ويحترم حق الآخرين في الحياة والعمل والتفكير والتعبير والتعاون من أجل بناء الوطن وتقدمه والتفاعل مع البلدان المجاورة والعالم" (فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017: ص3). وتنبثق عن هذا الهدف الشامل أهداف عامة وكما يأتي:


أولاً: الهدف الإنساني: وأول شيء يفهم من هذا المبدأ أن الإنسان ينبغي عليه الإيمان المطلق بأنه خليفة الله تعالى على الأرض ويدل هذا على أنه قيمة اجتماعية عليا وينبغي العمل على جعله يتفاعل مع مجتمعه الذي يعيش فيه، وتهدف الفلسفة التربوية العراقية إلى العمل على تنمية شخصية الإنسان من جميع جوانبها الروحية والفكرية والخلقية والجسمية والذوقية، ولا بد للإنسان من معرفة حقوقه الإنسانية وأن لا يفرط بها ويحترمها ويطالب بتحقيقها وأن يفهم الواجبات الإنسانية الحضارية المناطة به ويلتزم بالنهوض بها (العسكري، 2012). هذا ما يتعلق بالإنسان كفرد مستقل؛ لأن الفرد إذا استوفى حقوقه الإنسانية تطلع إلى تكوين مجتمع يتعامل فيما بينه بمبادئ الإنسانية التي كرمه الله تعالى بها من الحقوق واداء الواجبات والتنمية الروحية وعدم إهمال الجانب المادي. أما ما يتعلق بالمجتمع الصغير للإنسان الذي هو الأسرة فقد رسم المشرع التربوي العراقي أهدافاً عليا يروم تحقيقها للوصول بالمجتمع العراقي إلى ذروة الشعور بالإنسانية، فجعل من أولويات الإنسان أن يعتني بالأسرة والحرص على إقامة العلاقات الإنسانية السليمة فيها بوصفها أساس المجتمع لينتج عن ذلك التنشئة الصحيحة والتعاون الوثيق بين أعضائها بوصفها النواة للمجتمع الأكبر، وذلك لا يحصل إلا إذا عمل على حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة ورعاية النشء والشباب وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم، ومنع العنف والظلم بجميع أشكاله في الأسرة والمدرسة والمجتمع. وللحفاظ على حقوق الإنسان وضمان عدم الاعتداء عليها حظرت الفلسفة التربوية العراقية الاستغلال الاقتصادي بجميع أنواعه وأشكاله ضد الأطفال والكبار، وسعت للمساهمة في اتخاذ الإجراءات المناسبة ضده والعمل على توفير الحماية والإسناد والدعم الاجتماعيين للفرد والجماعة والمجتمع وحمايتهم منه، والتأكيد على وحدة النوع الإنساني والمنشأ البشري والتعايش مع الآخر والتثقيف على مفهوم التعددية الدينية والقومية والمذهبية والسياسية، (فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).

الهدف الديني: إن هذا الهدف من أهم الأهداف لكل المجتمعات، فهو السبب الأول للحياة البشرية والمبدأ الأسمى لدى كل إنسان، ويقصد بذلك ترسيخ الإيمان بالله وبرسالاته السماوية ويتجلى بكون الديانة الرسمية للعراق هي الإسلام، وهو أساس التشريع، وارتباطاً بهذا الهدف تسعى الفلسفة التربوية العراقية إلى ترسيخ عقيدة الإيمان بالله تعالى لدى الأفراد وحرية الاعتقاد بالرسالات السماوية ورفض الشرك بالله تعالى والإلحاد. وتسعى كذلك لتحقيق الفهم الصحيح للإسلام لدى أفراد المجتمع بكونه ثورة إنسانية وعلمية وتربوية وحركة تغيير اجتماعية كبرى، وتؤكد على ضرورة التحلي بالقيم الإنسانية التي دعا إليها والأديان السماوية الأخرى وجعلها رافداً لفضائل الأخلاق ومنها الدعوة إلى الحق والتسامح والتعاون والألفة والإخاء والعفة ونبذ التعصب والتمييز. واستكمالاً لهذا كله تسعى فلسفة التربية في العراق على الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي وأن الحقوق الدينية مكفولة لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية وذلك ليتحقق التكامل في المجتمع العراقي (فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).


ثالثا: الهدف الوطني والقومي: تسعى الفلسفة التربوية العراقية إلى الاهتمام بالوعي التاريخي والتأكيد على تراث الأمة وفهم تاريخ العراق ومزاياه الحضارية والاعتزاز بها وبإسهامها في الحضارة الإنسانية لأنه عامل بناء إيجابي وإمداد حضاري، وتركز على حب الوطن والإخلاص له وأهمية هذا الجانب وضرورة العمل لبقائه مستقلاً ووجوب المحافظة عليه من قبل أبنائه، وتنمي في الأفراد روح المواطنة الصالحة وما تدل عليه من الولاء للوطن والموازنة بين الحقوق والواجبات ومراعاة المصلحة العامة وتحقيق مبدأ التعاون بين أفراد المجتمع، ومن مكملات هذا المبدأ فهم خصائص المجتمع العراقي وبيئته الجغرافية وما تشتمل عليه من الثروات البشرية والطبيعية وحسن استثمارها(العسكري، 2012). لا سيما وأن العراق مهد الحضارات وقامت فيه دول عديدة ومتنوعة ولكثرة ما فيه من الخيرات والثروات تداعت الأمم عليه وتعرض لاعتداءات كثيرة على مر العصور فمن الضروري أن تهدف الاهتمام بالوعي الثقافي والتاريخي لأن هذا البلد له حضارة عميقة وتجارب كثيرة يمكن الاستفادة منها في تطبيق التجارب الإيجابية وتلافي الأخطاء في التجارب السلبية، وضروري أن يتربى الإنسان على حب وطنه فمن لا يحب وطنه لا ينتمي إليه ومن لا ينتمي إلى وطنه لا يقدم له شيئاً وهذا ضد الأهداف التربوية، ومن الجوهرية التي تسعى فلسفة الترية في العراق تحقيقها وجوب المحافظة على العراق مستقلاً لأنه سبق وأن تعرض للاحتلال بدءاً من الإمبراطورية الفارسية إلى هجمة هولاكو إلى هجمة الصفويين إلى الاحتلال البريطاني وأخيراً تعرضه للاحتلال الأمريكي واحتلال التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم داعش والقاعدة والمليشيات الإرهابية التابعة لإيران، وكذلك الاستقلال من السيطرة الخفية لبعض الدول المجاورة عن طريق شراء ذمم الحاكمين للعراق، وهذا الهدف لو تحقق لاستطاع العراق أن يعبر شوطاً كبيراً في مسيرة التقدم. كذلك من الأمور المهمة في فلسفة التربية العراقية الموازنة بين الحقوق والواجبات ومراعاة المصلحة العامة التي ويرى الباحث أن الواقع يثبت عكس ذلك من خلال تجربته العملية في مؤسسات الدولة العراقية، فالمحسوبية والمنسوبية والافساد المالي والإداري متفشي فيها وتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة سمة تكاد تكون عامة في المجتمع وبهذا لا يمكن ان تنهض العملية التربوية في الدولة ويكون النظام التربوي والتعليمي ضعيفاً، والدول إنما تنهض بالنظام التربوي التعليمي. ومن ناحية أخرى تهدف فلسفة التربية في العراق إلى ترسيخ الوحدة الوطنية وما تتضمنه من تماسك اجتماعي وإخاء وضمان حقوق المواطنين الثقافية، والإيمان بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب وهو جزء من العالم الإسلامي والعربي وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية ومنظمة دول عدم الانحياز وملتزم بكل المواثيق الدولية، وفهم الخصائص الحضارية للأمة العربية في تأريخها على مر العصور، والاعتزاز بتلك الخصائص والعمل على احيائها وتجديدها إغناءً لحاضرها ومستقبلها ومواكبة للحضارة الإنسانية، والتعريف بحقوق الإنسان والالتزام بتحقيقها(فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).


رابعاً: الهدف اللغوي: تركز فلسفة التربية في العراق على تعليم اللغة العربية واتقانها وتعميق حب هذه اللغة بوصفها لغة القرآن الكريم والعناية بآدابها وعلومها الغنية بالثقافة والقيم التربوية القادرة على الإسهام في تنظيم الفكر والارتقاء بالذوق الأدبي والفصاحة العربية واعتمادها في إغناء الثقافة المعاصرة وتوثيق الروابط بين أبنائها، ولم تتوقف الفلسفة التربوية العراقية على تعليم أبنائها اللغة العربية فحسب بل دعت للاهتمام باللغة الكردية بوصفها لغة رسمية ثانية بجانب اللغة العربية، وكذلك العناية بتعليم اللغات غير العربية من التركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية على وفق الضوابط التربوية في المؤسسات التعليمية الخاصة، والاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الانكليزية بوصفها لغة عالمية وبوصفها لغة أجنبية إلزامية وتدریس لغات أخرى أجنبية اختيارياً مثل اللغة الفرنسية واللغة الروسية واللغة الإسبانية(فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017). وبهذا الصدد قال (مشحن، 2018: ص674) "لفتت أهمية اللغة انتباه الأقدمين من فلاسفة ومفكرين وعلماء فتوجهوا لدراساتها حسب ما تميله حاجات تلك الشعوب والأمم من دراسة لنشأتها وقواعدها وعلاقة الالفاظ بمدلولاتها وان الاهتمام باللغة والعناية بها في مجتمعاتنا المعاصرة لا يعادلها أي اهتمام أو عناية بالمجالات النظرية الأخرى، فاللغة تقع في مقدمة اهتمامات عالم اليوم.

خامساً: الهدف الديمقراطي: ويعني في جوهره تنظيم الحياة على أساس الحرية والعدالة والمساواة ويتجلى في ترسيخ مبادئ الديمقراطية التي تتجلى فيها روح التسامح والتعاون والتشاور والنقد البناء واحترام الرأي الآخر، وترسيخ مبدأ سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه وتكافؤ الفرص بينهم واحترام القانون والنظام والتعاون مع السلطة القانونية على تنفيذه، وتأكيد احترام المبادئ الإنسانية والأخلاقية والقيم الاجتماعية والدينية وترجمتها إلى سلوك، والالتزام بها في التعامل مع الآخرين واحترام أفكارهم وآرائهم، والتأكيد على قيم الحرية والالتزام بقيم المجتمع وتقاليده وكيفية التعامل معها في حياتنا العملية بطريقة متحضرة تتلاءم مع مبادئ الاحترام والعدالة والحرية والمساواة، والتطبيق الواعي للأساليب الديمقراطية في المؤسسات التربوية وفي إداراتها بغية نشر السلوك الإنساني الراقي بين المعلمين والمتعلمين، والعمل على إشاعتها بين سائر المؤسسات والتنظيمات(فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).


و يرى مؤيد (2020) أن مما هو معلوم "ان الديمقراطية سواء كانت بمفهومها الخاص السياسي أو المفهوم العام من حيث المساواة والحرية لا يمكنها أن تنمو بمعزل عن تربية صحيحة وتنمي توجهات الأفراد وتعمل على توحيد سلوكاتهم وتصحيح مفاهيمهم بما ينسجم مع المنظومة القيمية للمجتمع الذي يعيشون فيه وبما يحقق التكامل فيما بينهم، هذا فضلاً عن إيجاد الوعي الذي يزيد من فرص الديمقراطية ويُحافظ على مقدرات الدول وعدم الاتجاه نحو الغوغائية أو العديد من الأمراض الاجتماعية كالواسطة والمحسوبية والطبقية التي تعد عامل هدم في بناء الديمقراطية فضلاً عن أن الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسية ومجتمع مدني حتى يتم ترسيخ هذه المفاهيم. وتلعب الديمقراطية دوراً مهماً ورئيساً في التربية، وفي أداء وظائفها وتحقيق أهدافها بمسؤولية وكفاية وبالتالي تلعب دوراً رئيساً في إرساء قواعد المجتمع الديمقراطي مجتمع العدل والمساواة، والحق القائم على الجدارة والاستحقاق والتحرر من الطبقية والفئوية والانغلاقية والاستغلال والتعصب. إن تحقيق ديمقراطية التربية يتم من خلال (دمقرطة) كل جانب من جوانبها، وكل أمر يتعلق بها وبعبارة أخرى تحقيق ديمقراطية التعليم من خلال (دمقرطة) فلسفة التعليم و(دمقرطة) سياسة التعليم و(دمقرطة) عملية التعليم ودمقرطة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها الطالب".


سادساً: الهدف العلمي: يقصد به ترسيخ مفاهيم ومبادئ العلم الحديث منهجاً وفكراً وتطبيقاً، ومتابعة تطور الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة استيعاباً لمنجزاتها وإسهاما في إغنائها، وتعميق أصول العلم الحديث في الحضارات القديمة العربية والإسلامية ودورها في بناء أسس منهج التفكير العلمي وفي الملاحظة والتجريب، وتنمية الوعي البيئي والمعرفة بالموارد الطبيعية والعناية بالبيئة وحمايتها من التلوث واستخدامها الرشيد في التنمية المستدامة بما يؤمن المحافظة عليها للأجيال القادمة، وكذلك اعتماد التفكير العلمي أسلوباً مهماً لحل مشكلات المجتمع وتذليلاً لمعوقات تقدمه، وتطوير المناهج الدراسية للتعليم العام والمهني ومنابعة مواكبتها لأحدث التطورات العلمية العالمية في مجالات الحياة النظرية والعملية كافة والعناية بالثقافة الصحية العامة والبيئة وحمايتها، وغرس حب العلم والمعرفة والمنافسة العلمية في نفوس النشء واحترام العلماء، وتنمية التفكير، وحب البحث العلمي لديهم، وبناء عقلية علمية متحررة من الفوضى واللامنهجية والتعصب والانحياز الأعمى وتزويدهم بالعلوم والمعارف المختلفة والممهدة لاختيار الاختصاص المناسب(فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017). و يلاحظ من خلال النظر في هذا الهدف أن الفلسفة التربوية لا تحاول التوجه نحو اكتساب أكبر قدر ممكن من المعلومات دون الاهتمام بنوعية هذه المعلومات، ومدى الاستفادة منها لتطوير شخصية الإنسان المؤمن؛ لأن هذا العلم سلاح ذو حدين فهو في جانب ينفع الناس وفي جانب آخر مضر مؤذٍ وربما مدمر كالأسلحة النووية وأسلحة التدمير الشامل، ولكن يهدف إلى اكتساب العلم النافع ومواكبة الحركة العلمية لإغناء المجتمع واستثماره في التطوير وسد احتياجات المجتمع.


سابعاً: هدف العمل: يعني تقدير العمل عنصراً أساسياً في نشاط الإنسان الحضاري وفي تقدم المجتمع من خلال تعميق فكرة (العمل شرف للإنسان واجب وحق وسبيل لتقدم شخصيته وإغنائها)، ويكون اعتماد العمل والخبرة العلمية والكفاءة ركناً أساسياً في التربية والتعليم في مستوياتها كافة وتوثيق الصلات بين الفكر والتطبيق وتنمية الاتجاهات السليمة وتطوير المهارات الأساسية والمتخصصة، وتنمية روح العمل الجماعي التعاوني، واعتماد التدريب المهني عنصراً أساسياً في التعليم الأساسي ولاسيما التعليم المهني وتعليم الكبار وإيجاد الحوافز للإقبال عليه والإفادة من الفرص المتاحة في مجالاته وتلبية متطلبات سوق العمل، وتوثيق التعاون بين المؤسسات التربوية والمؤسسات المسؤولة والمعنية بالعمل والإنتاج، وتنمية روح الجد والعمل ونبذ الكسل والاتكالية واحترام الزمن وتوظيفه من غير تضييع، واحترام جهد الآخرين وإسهامهم في بناء الحياة والإفادة من تجاربهم (فلسفة التربية لوزارة التربية العراقية، 2017).


إن هذه الأهداف لا تتحقق إلا بشروط ينبغي توافرها عند بناء فلسفة التربية حتى تعد صالحة ولها القدرة في توجيه تحقيق الهدف العملي في المجتمع، بحيث يقوم الهدف العملي و ينبثق من المصادر والمنطلقات المجتمعية والأخذ بنظر الاعتبار ظروف وحاجات ومصالح ومستويات وخصائص الثقافات والحضارات المتباينة بين المجتمعات المأخوذة عنها والمنقول اليها عند الانفتاح على خبرات وتجارب الأمم في مجال التربية المهنية؛ اذ لا يعني هذا الانفتاح التقليد الأعمى، ولكنه يعني الاستفادة الذكية الواعية من منجزات الاخرين والانطلاق من هذه الخبرات الى اعمال العقل وبذل جهد في سبيل تحويرها وتطويرها وتكيفها مع واقع المجتمع العراقي. و أن تكون الفلسفة التربوية المهنية شاملة في محتوياتها وافكارها ومبادئها العامة التي تتكون منها حتى تستطيع ان توجه كافة جوانب التربية المهنية، وان تتسم بقدر كبير من الوضوح. و أن تكون المبادئ والأفكار والمعتقدات واقعية وقابلة للتطبيق والتنفيذ في ضوء إمكانات المجتمع العراقي المادية والبشرية وفي ظروفه ومستويات تطوره الثقافي والحضاري. و أن تكون على قدر كبير من الترابط والانسجام والتكامل فيما بينها وبغير ذلك تفتقد قيمتها التوجيهية والارشادية والمرجعية في نطاق التربية المهنية لذا لابد أن تخلو من التناقض والتضارب بين وظيفتها الإرشادية وبين أصولها المرجعية. و أن تتسم بالمرونة وبالديناميكية اللتين تسمحان لها بالتطور والتجدد المستمرين وبالتغيير والتعديل كلما اقتضت الحاجة لذلك، وان تخضع للتقويم المستمر في ضوء ما يستجد في المجتمع العربي والإنساني. و أن ترتبط الفلسفة بتنظيمات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومطامح الناس وآمالهم واحتياجاتهم ومشكلاتهم. و أن تكون مصادر الفلسفة التربوية العملية انتقائية تختار الضروري والمهم وما يتفق مع روح الدين الإسلامي ولا تقيد نفسها بوجهة نظر تربوية معينة او اتجاه تربوي معين بل تأخذ الصالح والمناسب من وجهات النظر والفلسفات والاتجاهات التربوية. وأن تعبر الفلسفة التربوية العملية عن واقع العلاقة بين العقل والجسد وبين العلم والعمل. و أن تنظر إلى الإنسان على أنه وحدة متكاملة من الروح والعقل والجسد. و أن تبين أهمية التربية العملية كونها تجعل المدرسة أداة تطبيع حضاري؛ لأنها تسهم في تعريف المتعلمين بنور العلم والتكنولوجيا ومنجزاتهم في حياتهم. و أن توفر التربية المهنية للطلبة فرص الإبداع في أعمالهم المستقبلية وتجعل من التربية العملية ضرورة اقتصادية تتكامل مع خطط التنمية العامة لبلاد وتسهم في تحقيقها. و تعد التربية العملية ضرورة اجتماعية؛ لأنها تقوي ثقة الإنسان بنفسه وبشعوره الفعال في المجتمع بتهيئتها الفرصة للطالب في المستقبل باختيار مهنته بحرية والإبداع فيها (البديري، 2014).


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المراجع: 
1. البديري، حيدر مالك فرج (2014)، نحو بناء فلسفة مهنية لنظام التعليم في العراق: -أطروحة دكتوراه-، جامعة بغداد، كلية التربية للعلوم الإنسانية ابن رشد، قسم العلوم التربوية والنفسية.
2. خطاب، أركان سعيد (2018)، الإصلاح التربوي في العراق بين فلسفة تربوية رشيدة واستراتيجية واضحة المعالم: -بحث منشور، جامعة بغداد، مركز البحوث النفسية والتربوية، مجلة العلوم النفسية، بغداد.
3. رجب، مصطفى محمد (2018)، فلسفة التربية المفهوم والأهمية: -بحث منشور-، جامعة سوهاج، كلية التربية، مصر، سوهاج.
4. العسكري، كفاح يحيى صالح، (2012)، نحو فلسفة تربوية عربية في عراق ما بعد التغيير: المؤتمر العربي الدولي الأول، رؤية استشرافية لمستقبل التعليم في مصر والعالم العربي في ضوء التغيرات، جامعة المنصورة، كلية التربية، مركز الدراسات المعرفية، القاهرة، مجلد2.
5. الفلسفة التربوية واهدافها، وزارة التربية، المديرية العامة للمناهج، 2017، http://epedu.gov.iq/index.php.
6. مشحن، بلال عبدالجبار (2018)، فلسفة التربية وأثرها في تردي الواقع اللغوي في العراق: -بحث منشور-، الجامعة العراقية، كلية الآداب، مجلة مداد الآداب.
7. مؤيد، سامر: (2020)، ديمقراطية التعليم ومعوقاتها في العراق
صحيفة المثقف، العدد (5220) في الاحد 20/12/2020م، https://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/9694-2010-01-14-23-05-47




31 عرض