تطور جماعة الرفاق في المجتمعات العربية المعاصرة ودلالاتها التربوية: رؤية تحليلية


الأستاذ الدكتور ماجد محمد الزيودي، كلية التربية – جامعة طيبة، المملكة العربية السعودية

مع تطوّر وسائل التكنولوجيا والاتصالات المعاصرة، يلاحظ أنّ ملامح الحياة البشرية شهدت تغيرات جوهرية ملموسة، فعلى سبيل المثال، حلّت الرسائل الإلكترونية محل الرسائل الخطية، وزاحمت الدردشات الإلكترونية الجلسات والمجالس العائلية والاجتماعية، ولم يعد السفر شرطاً لرؤية الأصدقاء، أو البيع والشراء، أو الدراسة. وعلى مستوى المجتمعات العربية، فلقد توالت عليها التغيرات الاجتماعية والثقافية في العقود القليلة الماضية، لعل أبرزها ظهور ظاهرة العولمة، وما رافقها من ثورة معلوماتية، إذ أحدثت تغيراً في المواقف والاتجاهات والقيم لدى أفراد المجتمع العربي وبشكل سريع ومروع، حيث يتوقع كثير من الباحثين أن تتم في عمر الجيل الواحد تغيرات متتالية وعديدة. ويمكن القول أن عملية التنشئة الاجتماعية في المجتمعات العربية، بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، كالأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، وجماعة الرفاق،،، كانت عملية ميسورة ومحددة الملامح والمقومات والإجراءات تتولاها هذه المؤسسات، وهي تُعدّ بمثابة الرحم الذي تتشكل فيه ملامح هوية الإنسان وقيمه واتجاهاته. إن الحديث عن الأدوار المتجددة والمتغيرة لمؤسسات التنشئة الاجتماعية، ومنها جماعة الرفاق، في ضوء ما يشهده العالم المعاصر من تغيرات في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في ظل العولمة والمعلوماتية، هو أمر في غاية الأهمية؛ لتتبع وفهم التغيرات التي طرأت على الطبيعة التربوية لهذه المؤسسات في المجتمعات العربية المعاصرة، وآلية التعامل معها. ما من شك في أن استعراض وبحث الأدوار المتجددة للمؤسسات التي تسهم في عملية تنشئة الشباب وتربيتهم، يكشف بوضوح ديناميات عملها، وأهدافها المتغيرة بتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مجتمع ما، وهي ضرورية كذلك لفهم مرحلة الشباب، وما طرأ عليها من تغيرات معاصرة نتجت عن التغير البنائي الواسع النطاق الذي يشهده مجتمعنا الانساني المعاصر. وفي ضوء هذه الحقيقة يمكن إلقاء الضوء على إحدى هذه المؤسسات التي تسهم في إكساب الشباب لأدوارهم الاجتماعية والتربوية، وتسهم في تنشئتهم الأخلاقية والقيمية، وهي جماعة الرفاق، أو جماعات الصداقة كما يسميها البعض. وعند تأمل طبيعة جماعة الرفاق في المجتمعات العربية خلال فترة ما قبل التسعينات من القرن الماضي، وطبيعتها في وقتنا الحالي، حيث التغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، يلاحظ أن ثمة تغيرات حصلت على طبيعة هذه الجماعة شكلاً ومضموناً، ولا سيما في ظل توسع خدمات شبكة الإنترنت، وتكنولوجيا الهواتف المحمولة اللامتناهية في تطورها، لعبت دوراً كبيراً ومؤثراً في التغيير الحاصل على هذه الجماعات، حيث يتم عبر التكنولوجيا المتقدمة تبادل الأفكار والمعلومات بحرية تامة بعيداً عن عيون الرقابة الأسرية. وفي هذا السياق، تشير الكثير من الأدبيات الكلاسيكية العربية إلى أن جماعة الرفاق – كمؤسسة تنشئة - تشكل وسطًا تربوياً مؤثراً على الفرد في مراحل حياته المختلفة، إذ تبدأ في مرحلة الطفولة في نطاق الأسرة، ومع تقدمه في العمر تتسع علاقات الفرد الاجتماعية بانضمامه إلى جماعات رفاق تتنوع بإشكالها وأحجامها وخصائصها ومستوياتها الثقافية والاجتماعية، مع ملاحظة أن هذه الأدبيات لم تتناول الشكل الجديد لجماعة الرفاق، والتغيرات الكبيرة التي طرأت عليها سواء في هيكلها، وأشكالها، وطبيعتها، وأدوارها التربوية في التنشئة الاجتماعية، فضلاً عن العوامل التي أدت إلى هذا كله. وبناء على ما سبق، وفي سبيل مناقشة هذا الموضوع الهام، يمكن طرح العديد من التساؤلات البحثية الهامة على النحو الآتي: - هل يمكن اعتبار جماعات الصداقة (الرفاق) الإلكترونية امتداداً لجماعة الرفاق التقليدية؟ - ما أبرز التغيرات الدينامية التي طرأت على جماعة الرفاق كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر؟ - ما العوامل التي أدت إلى التغيرات الدينامية على جماعة الرفاق في المجتمعات العربية المعاصرة ودلالاتها التربوية؟ وفي سياق الإجابة عن التساؤل الأول، وبالنظر إلى خصائص جماعه الرفاق التقليدية ووظائفها، المتمثلة في (الضبط الاجتماعي، والاستقلالية بعيداً عن سلطة الكبار، والمشاركة الوجدانية في الميول والاتجاهات، وإبراز ذواتهم واتجاهاتهم الاجتماعية والنفسية، وإكساب المهارات الاجتماعية والقيم....الخ) يمكن الاشارة إلى مدى انطباق ما سبق، إلى حد كبير، على جماعات الرفاق الالكترونية، ومنها: 1. جماعة الصداقة الإلكترونية لديها ضبطاً اجتماعياً لأعضائها، وتطبيقاً لمبادئ الثواب والعقاب داخل مجموعات الصداقة في الشبكات الاجتماعية, إذ يتم استبعاد بعض الأعضاء إذا ما خرجوا عن القواعد المتعارف عليها (غالباً ما تكون دينية، اجتماعية، سياسية،....الخ)، وفي بعض الأحيان يتم الرد على من يخالف هذه الضوابط بقسوة من خلال التعبير الكتابي، أو عبر الصور التعبيرية التي تعبر عن الرفض، أو الاستهجان, وكذلك يتم الثواب بعبارات وإشعارات تعبر عن ذلك أحياناً. 2. وفيما يتعلق بالمشاركة الوجدانية, فيمكن القول أن هذه الصداقات تبنى أساسا على اتجاهات وميول ومشاعر وهوايات معينة، وإن أخذت شكلاً مرئياً مختلفاً عن السابق. 3. وفي جانب توسيع آفاق أعضاءها وإنماء خبراتهم واهتماماتهم، فهي تحقق هذه الميزة وبقوة بحكم الدعم المعلوماتي على الشبكة، وبسبب توسع الآفاق الاجتماعية، ونماء الخبرات للفرد المعاصر عما كان عليه سابقاً، فكم المعلومات والأخبار المتاح للجميع دون استثناء هائل جداً يتم تبادله على مدار الساعة. 4.بالنظر الى القوة والنفوذ وتأكيد الذات, فهي ميزة تتوافر فيها وبقوة, حيث إن الصداقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تمنح الأفراد المشاركين الثقة بالنفس، والقوة وتأكيد الذات. 5. أما فيما يتعلق بإسهام جماعة الرفاق التقليدية بتعليم الأفراد القيم والمعايير وتكوين الاتجاهات, فهذا الأمر، وإن اختلف نوعا ما عن جماعة الرفاق التقليدية، فيبدو توافره أيضا بهذه الجماعة. لكن يمكن القول أن القيم والمعايير والاتجاهات الاجتماعية في الماضي، والتي كانت تحكم جماعة الرفاق التقليدية، تغيرت الى حد ما، بحكم التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المجتمعات العربية - مع استمرار بعضها لدى الافراد المحافظين - فما كان يعتبر عيباً، أو منتقداً في الماضي، أصبح شيئا عاديا في ضوء مقاييس شباب اليوم. 6. بالنسبة لميزة الاستقلالية والاعتماد على الذات بعيدا عن الأسرة التي توفرها جماعة الرفاق لأعضائها، فهي ميزة أيضا تؤكدها وبقوة جماعات الصداقة الإلكترونية حيث يمكن للفرد أن يكتب ويعبر عما يشاء، ويشارك بما يشاء بعيداً عن تدخلات الوالدين، أو الأسرة في داخل البيت، أو خارجه.

مما سبق، يتضح صحة فرضية اعتبار جماعات الصداقة (وهي ما سماها الباحث جماعة الرفاق الإلكترونية) على شبكات التواصل الاجتماعي امتداداً لجماعة الرفاق التقليدية، (وليست بديلاً لها)، فهي أخذت شكلاً جديداً بعد تغير البيئة المحيطة بهذه الجماعة، واعتماد الأفراد على التكنولوجيا في الاتصال والتواصل بشكل أكثر اتساعاً من الاتصال الحقيقي. وفي معرض الإجابة عن التساؤل الثاني، والمتعلق بأبرز التغيرات الدينامية التي طرأت على جماعة الرفاق كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر، فيمكن بيان ملامح هذه التغيرات وفق عناصرها الأساسية، التي طرأت على جماعة الرفاق، والتي يعتقد أنها تنساق على عموم المجتمعات العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الزمني البسيط فيما بينها في اللحاق بركب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومنها أن السياقات المكانية لنشاط جماعات الرفاق، فقد كانت في الماضي تتم في إطار جغرافي محدد، وقد تحولت هذه السياقات المكانية لنشاطات جماعات الرفاق من السياق المكاني المحدد (المحلي) إلى السياق العالمي، أو (سياق اللامكان) فطالما أن أدوات التواصل والاتصال تحمل بالأيدي لتحل وترتحل مع أصحابها. وفيما يتعلق بالسياق الزماني فقد كانت المساحات الزمنية المتاحة للقاء جماعات الرفاق قديماً تتم في إطار وقت الدوام المدرسي، ومن ثم تستكمل في فترة ما بعد الظهر إلى المساء في إطار الحي، وقد تلاشت الحدود الزمنية الحاكمة للقاء وتفاعلات جماعات الرفاق المعاصرة، وتحول السياق الزمني من المحدد زمنياً إلى سياق مفتوح زمنياً، أو (سياق اللازمان). كما تغيرت طبيعة الاتصالات البنيوية والتوسع العلائقي بين أعضاء جماعة الرفاق، حيث يلاحظ توسع أنماط الاتصال الجنسوي بين أعضاء هذه الجماعات حيث توسعت دائرة العلاقات في إطار جماعة الرفاق الإلكترونية، حيث أصبحت مشتركة بين الجنسين، بعدما كانت مفصولة (جندرياً)، وبفضل تطور تكنولوجيا الاتصال أصبحت اللقاءات والتفاعلات بين أعضائها يتم بشكل غير حي ومباشر، مع إمكانية تبادل الصور والفيديو، وفي الكثير من الحالات يمكن إجراء المحادثة المباشرة من خلال الاتصال بالصورة والصوت من خلال بعض التطبيقات الالكترونية المجانية، والتي تتم في الغالب بعيداً عن رقابة الأهل. وبالنظر إلى التوافق العمري بين أعضاء الجماعة يلاحظ التحول من شرط التوافق العمري في عضوية هذه الجماعات، فأصبحت تضم رفاق من فئات عمرية متفاوتة إلى حد كبير، وفي الغالب فإن مسألة العمر لا يتم الاعلان عنها، أو الاعتراف بها بشكل صريح ومعلن، فباستطاعة أي شخص أن يكتب ما يشاء عن عمره، ولذلك قد يصدف أن بعض الأطفال يدخل في مثل هذه المجموعات، وبأسماء مستعارة أحياناً، على اعتبار أنه طالب في الثانوية، أو الجامعة....الخ. كما تشير بعض الأدبيات التي تناولت جماعة الرفاق طبيعة الموضوعات المتبادلة بين جماعات الرفاق التقليدية (الكلاسيكية) كانت تنحصر إلى حد كبير وفق الطبيعة الجندرية لأعضاء الجماعة. فالموضوعات المتبادلة ضمن جماعات الرفاق الذكورية تتناول موضوعات محددة، وفي جانب جماعات الرفاق الأنثوية فهي تدور ضمن سياقات مختلفة غالباً ما تتعلق باهتماماتهن، ومن الصعب التكهن حاليا بطبيعة الموضوعات المتبادلة بين أعضاء هذه الجماعات الآن من الجنسين، والتي قد تشمل موضوعات في عالم الفن والموسيقى، والرياضة، والجنس، والترفيه، والسياسة، والدين، والأزياء، وأدوات الترفيه التكنولوجية وموديلاتها...الخ. وبالنظر إلى السلطة الرقابية فقد تحولت السلطة الرقابية الوالدية على جماعة الرفاق في المجتمعات العربية من رقابة عينية حسية صارمة من حيث زمن اللقاء، ومكانة، وعضويته إلى رقابة الكترونية، أو لنقل حالة من (العجز الرقابي). ومن ضمن التغيرات والتطورات التي شهدتها هذه الجماعة، يلحظ انتماء الفرد إلى جماعات صداقة إلكترونية متعددة (Groups) بعدما كانت تقتصر في الغالب على جماعة واحدة، أو جماعتين منفصلتين، (رفاق المدرسة، أو الحي) وقد تصل في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن خمس جماعات صداقة إلكترونية، أو أكثر، فقد يشترك الفرد، على سبيل المثال، في جماعة صداقة تختص بالأقارب، أو رفاق الدراسة، أو رفاق الحي من الجيران، أو غيرها. كما يلاحظ كذلك تحول في الأطر الثقافية المرجعية الحاكمة لجماعة الرفاق الحديثة من الأطر المحلية إلى أطر عالمية، أو (معولمة). وبالنظر إلى نتيجة التساؤل الثالث المطروح، يلاحظ أن ثمة عوامل شكلت الدور الأكبر في التغيرات التي شهدتها مؤسسات التنشئة التقليدية في المجتمعات العربية، كثورة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعولمة، وتراجع أدوار المؤسسات التربوية، والتغيرات في الأسرة العربية المعاصرة، والتي كان لها الدور الأبرز في التغيرات على جماعة الرفاق المعاصرة. إن ما سبق يستوجب إعادة النظر من قبل الباحثين التربويين المهتمين بأدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية المعنية بالتربية بطريقة جديدة تتواءم مع التغيرات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في المجتمعات العربية المعاصرة. *يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.






26 عرض