تجربة سنغافورة في المدارس الذكية

الدكتور محمد طه الزيود، وزارة الشباب، الأردن


إستندت تجربة سنغافورة في المدارس الذكية إلى إصلاح تربوي شامل استهدف سياسات التعليم لجعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في صميم العملية التعليمة، وإدماجها منذ مرحلة إعداد وتصميم الدروس وحتى عملية التقييم، وتحسين قدرات المعلمين وإعدادهم مهنيا، وتبني نموذج مؤسسات المستقبل الذكية (مدارس الريادة ومدارس التفكير)، لتعزيز أفضل الممارسات والابتكارات الناجحة، مواصلة تطوير البنى التحتية للاستفادة القصوى من الإمكانات التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

واثر التحولات السريعة التي شهدها العالم منذ تسعينيات القرن الماضي والناجمة عن العولمة السريعة والاقتصاد القائم على المعرفة، وتزايد تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وزيادة المنافسة العالمية، وتزايد الاهتمام برأس المال الفكري، بدأت وزارة التربية والتعليم في سنغافورة في العام 1997 مراجعة إستراتيجية وطنية لإعادة النظر في المناهج الدراسية وأهدافها واتجاهاتها في المستقبل، تحت مسمى ( مدارس التفكير، أمة متعلمة -Thinking Schools, Learning Nation(TSLN)) ، حيث شكلت مدارس التفكير الذكية تحولا محوريا في سياسات التعليم الذي يهدف إلى إعداد طلاب سنغافورة للمستقبل وكافيات القرن الحادي والعشرين (21CC)، ورغم أن المناهج الدراسية التي تم إدخالها قبل 1997 والتي تركز على تعزيز مهارات التفكير لدى الطلاب، فان إطلاق مشروع " مدارس التفكير، أمة متعلمة" اعتبر محطة حاسمة في جهود سنغافورة المنهجية في التعليم لكفايات القرن الحادي والعشرين التي ركزت الموارد على المعلمين والبنية التحتية والتكنولوجيا ، وذلك بهدف تطوير الطلاب والكفاءات اللازمة لمواجهة التحديات المقبلة(Koh, 2005, Tan, Koh & Cgoy, 2016)، وقد ركزت السياسة الجديدة على تمكين الطلاب من تطوير مهارات التفكير الإبداعي والنقدي، وشملت استراتيجياته التدريس الصريح لمهارات التفكير الإبداعي والناقد، والحد من محتوى المناهج، ومراجعة أساليب التقييم، وزيادة التركيز على العمليات بدلا من النتائج في التعلم والتعليم(Tan, 2013).


لقد بدأت سنغافورة خطة لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم كجزء من ثقافة مدارس التفكير الذكية، وقد بدأ المشروع والذي يتكون من أربع مراحل والذي أطلق عليه " مخطط تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم" (Master plan for Information and Communications in Education)، في العام 1997 حيث أطلقت المرحلة الأولى ((Master Plan1 (MP1) وهدفت إلى تزويد كل مدرسة بالأجهزة والبرمجيات وشبكات الاتصال للطلبة والمعلمين للوصول إلى الموارد، وان يستخدم الطلبة الحواسيب بنسبة 30% من وقت الدوام المدرسي، أما المرحلة الثانية (MP2)، فقد هدفت الاستخدام الفعال والمنتظم لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المنهاج، ووضع معايير أساسية لاستخدامها، وغرس بذور الاستخدام الابتكاري لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بين المدارس (Tan et al., 2017).


في عام 2005 أطلقت سنغافورة مشروع " تعليم أقل، تعلم أكثر Teach Less- Learn More)) ، والذي يهدف إلى التشديد على التغير التربوي لتشجيع التعلم النشط والمستقل عن طريق تقليم محتوى المنهج الدراسي وتعزيز التفكير النقدي والتعلم القائم على الاستفسار بين الطلاب، وإعدادهم للحياة بدلا من تدريس المزيد للاختبارات والامتحانات (Tan et al., 2016)،

وفي عام 2009 تم إطلاق المرحلة الثالثة من مشروع تكنولوجيا التعليم والاتصالات في التعليم (MP3) والذي هدف إلى البناء على المرحلتين السابقتين من خلال تطوير التعلم الذاتي والتعلم التعاوني للطلاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، واستكمالا للمشاريع السابقة وللسياسة التعليمية الجديدة أطلقت وزارة التربية والتعليم "إطار كفايات القرن الحادي والعشرين" (21CC Framework) والذي هدف وضع إطارا للمناهج الكلية التي حددت رؤية التعليم في سنغافورة حيث تستند نتائج التعليم الأربعة المرغوبة إلى مجموعة من الكفايات اللازمة للقرن الحادي والعشرين والعوامل الاجتماعية والعاطفية والقيم(Tan et al., 2017).

وفي عام 2015 أطلقت سنغافورة المرحلة الرابعة من مشروع تكنولوجيا التعليم والاتصالات في التعليم(MP4) والذي هدف تطوير الاستعدادات المستقبلية والمسؤولية للمتعلمين الرقميين، في إطار سياسة تتماشى مع التعليم القائم على الطالب والقيم الموجهة نحو التعليم وتهدف إلى مساعدة الطالب على تطوير إتقان المواد وتعزيز مهارات وكفايات القرن الحادي والعشرين (Tan et al., 2017).

لقد هدف مشروع مدرسة التفكير الذكية إلى تحقيق ما أطلق عليه " المخرجات المرغوبة الأربعة للطالب"، وهي: الشخص الذي يمتلك إحساسا قويا بالحق والخطأ: وهو قابل للتكيف والمرن، يفكر بشكل مستقل وناقد، ويتواصل بشكل فعال، المتعلم الموجه ذاتيا: الذي يتحمل المسؤولية عن تعلمه الخاص ويثابر في السعي للتعلم،مساهم، نشط يمكن أن يعمل بشكل فعال في فرق، مبادر ومتمكن، المواطنة المتجذرة في سنغافورة: لديه وعي مدني قوي ويأخذ دورا نشطا في تحسين حياة الآخرين(Tan et al., 2017).

وفي إطار تطوير عمل مدرسة التفكير الذكية، تم توسيع نطاق التركيز على مهارات التفكير تطوير إطار مهارات وكفايات القرن الحادي والعشرين، ويشمل هذا الإطار على القيم والعواطف والمهارات الشخصية، والأشكال المستجدة لكفايات القرن الحادي والعشرين، ويتكون هذا الإطار من ثلاث طبقات، تتضمن الطبقة الخارجية، من ثلاثة مجالات عريضة هي محو الأمية المدنية، التوعية العالمية، والمهارات المشتركة بين الثقافات، والتفكير النقدي والابتكاري، والاتصالات والتعاون ومهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

أما الطبقة الداخلية فتتكون من الكفايات الاجتماعية والعاطفية التي تشمل الوعي الذاتي، التوعية الاجتماعية، إدارة العلاقات، واتخاذ القرارات المسؤولة، وفي قلب هذا الإطار ترسى القيم الأساسية للاحترام والمسؤولية والنزاهة والرعاية والوئام والتي ترتكز جميعها على تطوير الكفاءات.

وفي إطار تطوير مهارات التفكير طرحت وزارة التربية والتعليم برنامج " المعرفة والتحقيق" ((Knowledge and Inquiry(KI) والذي يستهدف طلبة المدارس الأساسية العليا ومرحلة ما قبل الجامعة، بهدف إضفاء روح التعلم والاستكشاف على الطلبة وتعزيز قدراتهم في التحقيق وتقييم طبيعة وبنية المعرفة، وتطوير القدرات العقلية على التساؤل والبحث عن إجابات للملاحظات والظواهر، وتحليل أنواع مختلفة من الحجج والمعلومات، وتحديد وتقييم الافتراضات، وتقديم الحجج ودعمها(Tan, 2006).

أيضا تضمنت مدارس التفكير الذكية في سنغافورة برنامج " مشاريع العمل المتكاملة" ((Integrated Project Work(IPW) والذي يهدف إلى جعل التعلم والتعليم تواصليا، وتشجيع النهج الابتكاري والتفاعلي، وإدخال نظام مشاريع العمل متعددة التخصصات والتي من شأنها تمكين الطلبة من العمل على مساحات المحتوى في المناهج الدراسية لمواد العلوم والرياضيات واللغة الانجليزية، وزيادة المسؤولية الاجتماعية من خلال أنشطة لعب الدور ومشاركة الأقران والعمل بنظام المجموعات( العمل الجماعي التعاوني)، وتشجيع الطلبة على التعلم الموجه ذاتيا من خلال البحث عن الموارد المرجعية في المكتبات وعلى شبكة الانترنت، وبما يساهم في توفير الفرصة لتبادل الخبرات التعليمية، ويتم التقييم ليس على أساس الدرجات للمهام المنجزة ولكن على أساس الأدوار الفردية والجماعية، وكيفية التعاون بين الزملاء خلال مراحل التخطيط والتنفيذ، ويتم خلال هذا البرنامج تشجيع الطلبة على التطوير الذاتي من خلال تزويد الدعم الفني لتكنولوجيا المعلومات(Saravanan, 2005).

ومن المزايا الهامة للتجربة السنغافورية هو نظام الإعداد والتنمية المهنية للمعلمين، فقد اعتبرت سنغافورة أن المعلمين يعتبرون عاملا أساسيا في جودة نظامها التعليمي، وأن التحدي المستمر لسنغافورة هو ضمان أن يكون نظامها لتعليم المعلمين وثيق الصلة ومستجيبا وينتج معلمين ذوي جودة عالية وقادرين على تلبية احتياجات المتعلمين، وأن النماذج الجديدة للتعلم والتدريس في بيئة متغيرة بسرعة في القرن الحادي والعشرين تضاف إلى تحديات تعليم المعلمين (Lim, 2014).

ويتولى الإشراف على إعداد المعلمين وتنميتهم المعهد الوطني للتعليم (National Institute of Education (NIE)))، وقد أصدر المعهد نموذجا خاصا لتعليم المعلمين في القرن الحادي والعشرين يعرف باسم (TE21) ، ويتضمن البرنامج على المجالات الرئيسية التالية لتعليم المعلمين، تشتمل على الفلسفة الأساسية والمناهج الدراسية والنتائج المرجوة للمعلمين والمسارات الأكاديمية، ويبرز نموذج القيم والمهارات والمعرفةV3SK)) ليشكل الفلسفة الداعمة لتعليم المعلمين ويحدد المهارات والمعارف التي يجب أن يمتلكها المعلمون في مواجهة تحديات الصفوف الدراسية في القرن الحادي والعشرين (Low & Tan, 2017).

يتضمن نموذج القيم والمهارات والمعرفة(V3SK) ثلاثة قيم أساسية، هي قيم التمركز حول المتعلم والتي تضع المتعلم في صميم عمل المعلمين، وقيم الإحساس القوي بهوية المعلم والذي يشير إلى وجود معايير عالية ودفع قوي للتعلم في ضوء التغيرات السريعة في بيئة التعليم والاستجابة لاحتياجات الطلاب، وقيم الخدمة للمهنة والمجتمع والتزام المعلمين بمهنتهم من خلال التعاون النشط والسعي إلى أن يصبحوا عنصر فائدة للمجتمع المحلي (Low & Tan, 2017, NIE, 2016).

كما شدد نموذج القيم والمهارات والمعرفةV3SK))على أهمية امتلاك المعلمين لمهارات التفكير والتفكير التأملي للمهارات التربوية والإدارة الذاتية، والمهارات الإدارية والتنظيمية، والاتصالات والمهارات التسهيلية، والمهارات التكنولوجية، والابتكار ومهارات تنظيم المشاريع، فضلا عن الذكاء الاجتماعي والعاطفي، أما المعارف فتتضمن المعرفة الذاتية، الطلبة، المجتمع، محتوى المواد، المعرفة التربوية، الأصول والسياسات التربوية، المناهج، محو الأمية الثقافية، التوعية العالمية والتوعية البيئية(Lim, 2014, NIE, 2016, 2009). ولتحقيق المزيد من النجاح أكدت إستراتيجية " أمة ذكية INation2015)"2015) والذي أصدرته الحكومة السنغافورية على أهمية التعليم والتعلم في ظل بيئة معولمة والتطور التكنولوجي والتحرر الاقتصادي الذي يساهم في تسريع وتيرة المنافسة في جميع أنحاء العالم، فأكدت على ضرورة تعزيز تجربة تعليمية جذابة لتلبية الاحتياجات المتنوعة للمتعلمين في سنغافورة من خلال الاستخدام المبتكر للمعلومات والاتصالات، من خلق بيئة إثراء شخصية تركز على المتعلم في المؤسسات التعليمية، واستخدام تكنولوجيا المعلومات لدعم التغيرات التربوية في المؤسسات التعليمية، وبناء قدرات المعلمين وقادة المدارس ومخططي المناهج، وتطوير المؤسسات التعليمية الحاضنة للابتكار في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

إضافة إلى إنشاء بنية تحتية للتعليم والتعلم على المستوى القومي، وسيتم الوصول إلى الهدف الرئيسي والأهداف الفرعية من خلال برنامج EdVantage وهو خارطة طريق المقترحة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم لتوفير بيئة متعلمة تركز على المتعلم وتمتد إلى ما وراء الصفوف الدراسية(IDA, 2006).

إن التجربة السنغافورية في مجال مدارس التفكير الذكية استندت إلى مجموعة من الأسس، هي: ثنائية اللغة بهدف تزويد الطلبة بالكفايات اللغوية للوصول إلى الثقافات الغربية والشرقية على السواء، وبناء النظرة العالمية لدى الطلبة، والتكيف مع العولمة، التركيز على التعليم الشامل واسع النطاق لضمان النمو بشكل كلي، اعتبار المعلمين وقادة المدارس حجر الزاوية في عملية التطوير التربوي، ودمج تكنولوجيا المعلومات في الصفوف الدراسية، والعمل الوثيق مع أولياء الأمور(World Bank, 2010)، إضافة إلى اعتبار مدارس التفكير منظمات متعلمة وفق الضوابط الخمسة التي حددها بيتر سينج (P.Seng) لتعزيز ثقافة التعلم والتواصل الفعال وعلاقات العمل الجيدة بين الموظفين(Retna, 2015).


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المصدر




53 عرض