تجاوز تحديات التعليم عن بعد

الدكتورة اسراء عبدالله محمد، وزارة التربية والتعليم، الأردن


إن المتأمل لوضع التعليم وعلى المستوى الإقليمي والعالمي في السنوات القليلة الماضية، يجد أنه إتجه نحو التوظيف الكامل للتقنية والتكنولوجيا في عملياته؛ وذلك إستجابة لما يشهده العصر من تقدم علمي وتكنولوجي ونظرا لحاجات سوق العمل من الخريجين المهرة في إستخدام وتوظيف التكنولوجيا في مجالاتهم العلمية والمعرفية، لذلك فإن أنظمة التربية والتعليم عالميا عززت من التطوير والإستثمار في بنيتها وعملياتها وأنظمتها ومناهجها، للوصول الى أهدافها السامية المتمثلة بتمكين الأجيال الناشئة من لغة العصر و مهارات عليا في إستخدام أدوات الإتصال وتقنية المعلومات والتطبيقات الذكية.


إن هذا الإقبال على توظيف التكنولوجيا في العملية التعلمية مهد الطريق والظروف للتعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد، حيث أصبح العالم في سباق مع الزمن لإتخاذ قرارات لتسيير العمليات التعليمية بحد معقول من الجودة، مع القناعة بأن العالم لن يعود كسابق عهده من حيث طبيعة العمليات التعليمية، وبأننا في مرحلة أن نودع عصرا ونستقبل عصرا جديدا، عصر يرتكز على التعلم وليس التعليم. لذلك أصبح على المؤسسات التربوية بكافة أطيافها الوقوف أمام هذه التحديات والعمل بمرونة أكثر وتنبؤ بسيناريوهات المستقبل بما فيها الأوبئة والكوارث الشاملة الآثار، وتعليم مهارات حل المشكلات والأزمات، ومهارات التفكير والتواصل والتي تعتبر أهم ركائز التعليم الناجح.


لقد أصبح التعليم خارج أسوار المدرسة أمرا بالغ الأهمية، وأن الحصة الصفية يجب أن تتعدى اعتبارات الزمان والمكان والجوائح والأزمات، لذلك أولت الحكومات عالميا اهتماما بالغا بهذا الجانب، فاتجهت الى التعليم عن بعد؛ وذلك بعمل دروس وحصص يومية لكافة المواد من خلال منصات خاصة بها لتزويد الطلبة بالعلوم والمعارف المطلوبة ضمن المناهج المقررة، ولجعل الطلبة على صلة دائمة بدروسه ومع معلميه، الأمر الذي اقتضى المزيد من الجهد لانجاح عملية التعلم عن بعد سواء من قبل المدرسة والمتمثلة بالمعلمين والإداريين أو من خلال تعاون أولياء الأمور. إن قرار فتح المدارس وفي جميع بلدان مخاطرة كبيرة وقد تراجعت أغلب دول العالم عن قرارات فتح المدارس والمؤسسات التعليمية؛ خاصة أن اختلاط الطلبة بعضهم ببعض قد يشكل بؤر جديدة للعدوى ونقل المرض على نطاق مجتمعي أوسع، مما يجعل الوضع الوبائي في خطر. ولعل دول عديدة يعاني طلبتها من نقص في الامكانات المادية التي تدعم تعلمهم عن بعد، من مثل النقص في أجهزة الحواسيب أو الاجهزة الذكية أو حتى الانترنت؟ وبعض الأسر التي لا تمتلك الا جهازا واحدا لجميع أفراد الأسر، من هنا نجد معاناة الكثير من الأسر في ظل الظروف الراهنة، وعدم قدرة الأسرة على توفير مستلزمات التعليم عن بعد لأبنائها.


قد يشير البعض بأن هذا الوضع طارئ ومؤقت، لكن الواقع يشير بقوة أن هذه المحنة مستمرة وبالتالي فإن على المؤسسات التعليمية جعل التعليم عن بعد جزء لا يتجزأ من عملياتها ولا يمكن الإستغناء عنه. من هذا المنطلق يجب علينا التنبه الى الآثار السلبية التي أفرزها التعليم عن بعد؛ خاصة عند النظر الى أن آثاره أكثر وضوحا في البلدان التي تنخفض فيها نتائج التعلم، وترتفع فيها معدلات التسرب من التعليم، وتضعف قدرتها على الصمود أمام الأزمات، لذلك فإن قرار اغلاق المدارس لمدد طويلة سيعزز التدريس بالحد الادنى من الجودة ومن التمكن من المهارات التي تقدمها المناهج الدراسية، وغياب مراعاة الفروق الفردية، وضعف مهارة حل المشكلات والتواصل الفعال؛ كون الطالب يشاهد الدروس ومقاطع الفيديو التعليمية دون أن يكون له دور في إبداء رأيه، أو في الحوار الفعال مع معلمه. أضف الى ذلك المخاوف الكبيرة التي سيسهم بها التعليم عن بعد في تقوية التفاوت الطبقي بين الطبقة الغنية القادرة على تلبية احتياجات أبنائها والطبقة المتعسرة، كذلك ضعف تعلم فئة أطفال الروضة والمراحل الثلالثة الأولى؛ كونها تحتاج الى التواصل الاجتماعي والتعلم بالحواس، وخاصة تنمية المهارات الحركية الصغرى والكبرى، كما أنه سيسهم في زيادة عدد المتسربين عن التعليم وضعف جدية الطلبة، وقلة دافعيتهم في التحصيل العلمي. أضف الى ذلك زيادة العبء على المعلمين في ايصال المادة التعليمية للطلبة بالطريقة المناسبة، وضعف بعض المعلمين بالمهارات الالكترونية اللازمة والمناسبة لمثل هذا النوع من التعليم.


لذلك نجد لزاما على القائمين على العمل التربوي وأصحاب القرار العمل بجدية على تطوير المناهج وإعادة النظر لمحتواها بما يتناسب مع طبيعة التعلم عن بعد، والتحول الرقمي، وطرق التواصل عن بعد التي أصبحت ضرورة بالغة الأهمية يجب أخذها بعين الاعتبارلمواكبة التغيرات الطارئة التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم أجمع. كما يجب العمل على إعداد وتأهيل جديد نوعي للمعلم ليكون قادرا على أن ينوع في أساليبه واسترتيجيات التدريس لديه لتغطية الاحتياجات المختلفة للطلبة، ومراعاته للفروق الفردية، وعدم التركيز على التلقين لايصال المعلومة؛ بل إيجاد قنوات للتواصل بين المعلمين والطلبة، كما يجب أن تعطى الخطط التعليمية الأولوية للتعلم التفاعلي والتعلم النشط والتعليم المتزامن لجميع الطلبة، والتركيز على عمل مجموعات تعليمية لتحقيق أسس التعاون بين الطلبة. كما يجب عليهم إعادة تشكيل الصورة الحديثة للمعلم ولطرقه التعليمية ليصبح ميسرا للعملية التعليمية وتزويده بالمهارات اللازمة للتواصل الرقمي و مهارات الذكاء العاطفي والاجتماعي والمهارات اللغوية ليصبح أكثر فعالية في تواصله معهم.


إن التعليم عن بعد هو الحل الأمثل في الوقت الحاضر لجميع الفئات ولكافة المراحل، وهو مطلب عالمي للحد من انتشار الأمراض والأوبئة، لذلك أصبح من الطبيعي التعايش مع هذا الظرف الطاريء وتقديم التعليم بشكل ميسر وبجودة عالية لكافة الطلبة ولجميع الأعمار والمراحل الدراسية سواء في التعليم المدرسي أو الجامعي.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.




57 عرض