الوجه المشرق للعولمة!


الدكتورة رويده زهير العابد، أصول التربية، الأردن.



يسود التباين حول النشاة والتاريخ الدقيق للعولمة إلا أنها بصورتها المعاصرة تعتبر فكرة حديثة بدأت مع تبني الحداثة وما بعد الحداثة وتكنولوجيا الاتصالات والثورة المعلوماتية، وازدياد النزعة الإنسانية والإهتمام بحقوق الإنسان. إن العولمة نظام شامل لجوانب الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية والاجتماعية، هذا النظام الذي يستمد من الفلسفة البراجماتية النفعية و مرتكزاته التي تنادي بالديمقراطية والحرية الفردية واقتصاد السوق (الحريري، 2015). فالعولمة ظاهرة تعكس بالدرجة الأولى الدعوة إلى تبني نموذج عالمي موحد في السياسة والمال والاعمال والثقافة وبنية المجتمعات البشرية، و تعظيم نمط الحياة الاستهلاكي. لقد أصبحت العولمة امر واقع، يتضمن الخير الوفير الذي يتوجب الإلتفات اليه والتعامل بعقلانية مع جوانبها السلبية بعيدا عن لغة الرفض ونظرية المؤامرة. ففي الجانب الاقتصادي حققت إستفادة أكبر للمنتجين والمستهلكين جرّاء تقسيم العمل وتوسّع الأسواق، ورفع مستوى دخل الأفراد، وخاصةً في الدول التي أصبح بإمكانها التوسّع اقتصادياً بشكلٍ أسرع. وحرية تنقّل القوى العاملة بين الدول المختلفة، ممّا يُساعد على تبادل الأفكار والمهارات، والمساهمة في سدّ العجز الاقتصادي لبعض الدول؛ وذلك بالسماح لها باقتراض الأموال من الأسواق الرأسمالية. وزيادة مستوى وعي المستهلكين بالتحديات الناتجة عن بعض القضايا العالمية مثل: تغيُّر المناخ وعدم المساواة في الأجور. ومساهمة الضغوط التنافسية للعولمة في رفع مستوى أداء الحكومات وحماية العمال. ووفرة بضائع أكثر بأسعار أقل؛ إذ تُشجّع العولمة الدول على التركيز على مجال صناعتها، وبالتالي رفع جودة منتجاتها باستخدام أقل الموارد المتاحة، ممّا يُساهم في النمو الاقتصادي، وخفض تكلفة السلع والخدمات وجعلها في متناول الأيدي خاصةً لأصحاب الدخل المحدود. وتوسيع نطاق الأعمال؛ حيث تُتيح الأسواق الكبرى الفرصة أمام الشركات للوصول إلى شريحة أكبر من العملاء، وبالتالي زيادة الإيرادات.واهم خيرات العولمة على الصعيد السياسي انها عزّزت انتشار الديمقراطية وزيادة الوعي بحقوق الإنسان، فعلى الرغم من الفجوات التكنولوجية الهائلة إلا أنّ العولمة لعبت دوراً مهمّاً في إضفاء طابع ديمقراطي على وسائل الإعلام، وذلك من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي شجّعت على تعزيز الانفتاح السياسي، والقضاء على الفساد، وسوء استخدام السلطة، وتحسين التمثيل السياسي. وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي عزّزت العولمة العدالة المجتمعية على نطاقٍ دولي، فضلاً عن مساهمتها في تركيز أنظار العالم على قضايا حقوق الإنسان أمّا على الصعيد الثقافي، فقد كان للعولمة فضل كبير في تنمية شبكات التواصل المعرفية والثقافية، كما أدّت إلى تطوير أنماط الحياة، والسلوكيات الاستهلاكية للأفراد، كما أنّ للعولمة الثقافية الأثر الإيجابي في التغطية الإعلامية؛ وذلك في صبّ اهتمام الشعوب نحو مأساة الأفراد في ظل الزيادة السكانية الضخمة.كما ساهمت العولمة في تحرير وسائط الإعلام عالمياً؛ فأصبحت بذلك أكثر موضوعيةً وبُعداً عن التعصّب والانحياز، وعزّزت روح الانتماء للمجتمع المحيط، وشجّعت على تطوير مستوى الفنون وتبادلها، وساهمت في زيادة وعي الأفراد حول طبيعة السلع المستهلكة وظروف إنتاجها، كذلك فقد جعلت الحوار بين الثقافات حاجةً أساسيةً لتحقيق التضامن الدولي، بالإضافة إلى ذلك فقد ساهمت العولمة في نشر التكنولوجيا والابتكار، وذلك بتشجيع التواصل المستمر بين البلدان، ممّا يعني تبادل التطوّرات التكنولوجية والمعرفة بشكلٍ أسرع بينها (موضوع، 2021)

ومن أهم السبل والإجراءات التي يجب إتباعها من أجل استيعاب العولمة في المجال التربوي بصورة خاصة، قراءة العولمة قراءة واعية، تستند إلى إعمال التفكير الناقد في هذه الظاهرة من أجل فهمها وتحديد منطلقاتها والمبادئ التي تقوم عليها واستخلاص النتائج التي تترتب على هذه الظاهرة، من أجل الوقوف على معطياتها الإيجابية والعمل على استثمارها، وفي المقابل الابتعاد عن معطياتها السلبية. وإدخال التكنولوجيا الحديثة في النظام التربوي بصورة شاملة وتنشئة الأجيال على استخدام تكنولوجيا المعلومات، للوصول إلى مصادر المعلومات والإفادة منها في الدراسة والبحث والتعليم للحصول على تعليم نوعي. والعمل على تصميم مناهج تربوية معاصرة، بدلالة أهداف تربوية صادقة بأبعادها العلمية والإنسانية والدينية والفكرية والوطنية والاجتماعية واللغوية والأخلاقية، والبيئية والتكنولوجية، وأن تقدم هذه المناهج إلى المتعلمين وفق نماذج تعليمية ملائمة تساعد على إنماء شخصية المتعلم، وتطوير تفكيره الناقد، لدور اجتماعي متغير، يتكيف مع الواقع الثقافي، ويتوازن مع معطيات الحياة الثقافية المتجددة بصورة مستمرة.والقيام بوضع إستراتجية تربوية لتشكيل بعض الاتجاهات والقيم المرتبطة بروح العصر العلمية أو التكنولوجية أو البحثية أو الدينية أو الاجتماعية والعلمية من أجل مواجهة التحديات ومتطلبات الحياة الجديدة في البناء الاجتماعي( الخوالدة، 2010).

كما يمكن أن يتعامل قادة التربية مع العولمة بكل حكمة وذكاء،؛ لكونها تحمل في طياتها خيرات وفيرة، لذلك يتوجب على النخب التربوية التخطيط للاستفادة من العولمة وتطويعها لصالح الأوطان والمنظومات المجتمعية، من خلال استثمار الثورة التقنية وثورة المعلومات والاتصالات، ووسائل الإعلام كافة في خدمة المجتمع ونشر المبادئ الديمقراطية وصون حقوق الإنسان، والمحافظة على التراث الحضاري و خصوصية الهوية الثقافية للمجتمعات.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.



المصادر
 الحريري، رافدة (2015). التربية القيمية. (ط1) عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع.
الخوالدة، محمد محمود (2010). مقدمة في التربية. (ط1)، عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
: https://mawdoo3.comتم الدخول إليه 26/2/2021الساعة 11:00 مساءً


48 عرض