النظام التربوي الأردني وجائحة كورونا: الفرص والتحديات

الدكتور محمد طه الزيود – وزارة الشباب

تعتبر جائحة كورونا واحدة من أهم الأزمات التي واجهت العالم المعاصر، وفرضت على دول العالم اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمواجهة الإنتشار السريع لفيروس كورونا المستجد(COVID- 19)، وشملت إجراءات الإغلاق الكامل أو الجزئي وحظر التجول قطاع التعليم، حيث تم إغلاق المدارس والجامعات ورياض الأطفال، واضطرت المؤسسات التعليمية إلى الانتقال من التعليم الوجاهي إلى التعليم عن بعد من خلال البث التلفزيوني والمنصات الإلكترونية والرقمية والتقنيات والبرامج التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كبرامج الإتصال المرئي مثل ZOOM و Microsoft Teams وغيرها. وفي هذا السياق أشار تقرير " التعـليم أثناء جائحة كوفيد - 19 وما بعـدها" الصادر عن الأمم المتحدة في آب 2020 إلى أن جائحة كوفيد - 19 أوجدت أكبر انقطاع في نظم التعليم عبر التاريخ، وهو ما تضرر منه نحو (6.1) مليار من طالبي العلم وفي جميع القارات. وأثرت عمليات إغلاق المدارس وغيرها من أماكن التعلم على أكثر من 94% من الطلاب في العالم، وهي نسبة ترتفع لتصل إلى 99 % في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا(الأمم المتحدة، 2020)، فيما أشار تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة –اليونيسف إلى أنه من المحتمل حصول فقدان كبير للتعلم كنتيجة لإغلاق المدارس وخصوصاً لدى الطلاب غير القادرين على الإنخراط بالتعلم عن بعد، والتهديدات المحتملة على صحة الطالب الجسدية والعقلية، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بارتفاع أعداد المنقطعين عن الدراسة بسبب الضغط المالي الناشئ عن الجائحة، والتهديدات المرتبطة بجودة التعليم وانخفاض تمويل التعليم بسبب الإنخفاض الكلي في الإنفاق العام واحتمال إعادة تخصيص الموارد من قطاع التعليم إلى الصحة العامة ( منظمة الأمم المتحدة للطفولة –اليونيسف، 2020). وفي الأردن، تأثر قطاع التعليم وبشكل كبير بإنتشار فيروس كورونا المستجد(COVID- 19)، حيث شملت إجراءات الإغلاق المؤسسات التعليمية العامة والخاصة، وتم اللجوء إلى أدوات التعلم والتعليم عن بعد لإستدامة التعليم من خلال منصات التعليم الرقمية مثل " درسك" و" نورسبيسNoor Space"، والمنصات الخاصة ببعض المدارس الخاصة، والبث التلفزيوني من خلال تخصيص قناتين تلفزيونيتين لبث الدروس للمراحل الدراسية كافة،فضلا عن تحويل قناة التلفزيون الرياضية لتصبح قناة تعليمية، إضافة إلى منصة المعلمون(teachers.gov.jo)؛ فيما أطلقت وزارة التربية والتعليم في أيلول الماضي، وبدعٍم من اليونيسف، برنامج "جسور التعلم" وهو برنامج تعليم مدمج مُبتكر لمساعدة مليون طالب على إنعاش تعلمهم وتسريعه بعد الاضطراب الناجم عن جائحة فيروس كورونا . وتشير دراسة أجراها باحثون في البنك الدولي حول الاستعداد للتعلم الرقمي في الأردن بتاريخ 21/5/2020 أشارت إلى أنه في الأردن، يتمتع كثير من الأطفال بإمكانية الوصول، لكن الوصول الشامل لم يتحقق بعد، إذ لا يتستطيع حوالي 16% من الطلبة في الأردن من الوصول إلى الإنترنت، فيما لا يملك حوالي الثلث جهاز كمبيوتر يصلح لاستخدامه في أداء الواجبات المدرسية. وبإمعان النظر بمزيد من التفصيل، يتبين أن هذه الفجوة الرقمية توجد غالباً في الأسر منخفضة الدخل؛ فأقل من 30% من الطلبة الذين ينتمون إلى الفئات الفقيرة من الوضع الاقتصادي لديهم جهاز كمبيوتر لأداء الواجبات المدرسية، وحوالي 50% فقط يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الإنترنت (البنك الدولي، 2020)، وهذا يشير بوضوح إلى تحدٍ هام للنظام التربوي الأردني. لقد شكلت أزمة فيروس كورونا المستجد تحدياً للنظام التربوي الأردني من نواحٍ عديدة، ومن أهمها: محدودية البنية التحتية والبيئة المادية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم العام، والمخاوف المرتبطة بتكافؤ الفرص في التعليم وتحقيقه في ظل استمرار التعلم عن بعد، وخصوصاً لدى الفئات المجتمعية الفقيرة، ومناطق الأرياف وتجمعات اللاجئين، وقدرة الأفراد على توفير أجهزة الحاسوب أو الأجهزة اللوحية أو الهواتف الذكية، وتوفير اتصالٍ دائمٍ بالإنترنت، إضافة إلى عدم مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة. ومن التحديات التي أظهرتها أزمة فيروس كورونا المستجد" عدم وجود ثقافة التعليم عن بعد" وترسيخها ضمن منظومة القيم المجتمعية، و يرتبط بذلك تحدٍ أخر هو الالتزام بأخلاقيات التعليم عن بعد، والذي يستلزم إجراء دراسات متعمقة في هذا الموضوع، وتنمية وترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية لدى الأفراد. ومن التحديات الهامة، التنمية المهنية للمعلمين، إذ كشفت الأزمة عن الحاجة إلى برامج تنمية مهنية للمعلمين تكون قادرة على تطوير الكفايات والمهارات للمعلمين، وتقديم الدعم لهم حيث أن قدرات أعضاء هيئات التدريس والتزامهم من أهم عوامل النجاح . لكن أزمة أزمة فيروس كورونا المستجد شكلت أيضاً فرصة هامة للنظام التربوي الأردني لإعادة رسم الخطة الاستراتيجية لوزارة التربية والتعليم بما يتوافق مع التهديدات الجديدة من البيئة الخارجية للنظام، وإعادة رسم السياسات، واستغلال الأمكانات التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتطوير عملية التعليم والتعلم في المستقبل، بحيث تكون جزءاً من ثقافة العمل في المدارس وطرق العمل وبيئة التعلم. كما وفرت أزمة فيروس كورونا الفرصة لإعادة النظر بسياسة إدارة المخاطر في قطاع التعليم العام، وإدارة الأزمات ليكون النظام التربوي قادراً على مواجهة التحديات والمخاطر في ظل عالم معقد ومتغير بسرعة. وفي هذا السياق تشير دراسة للبنك الدولي إلى أن أزمة جائحة كورونا تشكل فرصة ً لإعادة بناء أنظمة تعليمية أقوى وأكثر إنصافا، وستشكل فرصةً لأطراف العملية التعليمية (أولياء الأمور، والمعلمون، ووسائل الإعلام، والحكومة، وغيرهم ) لتغيير منظورهم وتصوراتهم لأدوراهم في العملية التعليمية، كما تشكل فرصة لفهم أفضل للفجوة الرقمية، والتركيز على أساليب أكثر فعالية وإنصافاً لسد فجوات التعلم لدى الأطفال، واستخدام التكنولوجيا بشكل أكثر فعالية في أنظمة التعلم ُعن بعد؛ وأنظمةالإنذار المبكر لمنع التسرب من التعليم؛ والمناهج التربوية والدراسية للتدريس على المستوى المناسب وبناء المهارات التأسيسية؛ والمساندة المكثفة لأولياء الأمور والمعلمين والطالب(البنك الدولي،2020 ، ب). *يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

المراجع: الأمم المتحدة،(2020). موجز سياساتي: التعليم أثناء جائحة كوفيد -19 وما بعدها: https://www.un.org/sites/un2.un.org/files/policy_brief_-_education_during_covid-19_and_beyond_arabic.pdf البنك الدولي(2020، أ). جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) والاستعداد للتعلم الرقمي في الأردن، مدونات البنك الدولي: https://blogs.worldbank.org/ar/arabvoices/covid-19-and-digital-learning-preparedness-jordan البنك الدولي(2020، ب). جائحة كورونا: صدمات التعليم والاستجابة على صعيد السياسات ، ملخص تنفيذي: http://pubdocs.worldbank.org/en/179051590756901535/Covid-19-Education-Summary-arab.pdf منظمة الأمم المتحدة للطفولة( اليونيسيف)،(2020). تقرير معرفة عالمية: السلوكيات الجيدة والدروس المستفادة في التعليم عن بعد خلال جائحة كوفيد- 19 : https://www.unicef.org/jordan/media/3106/file/Global%20Knowledge%20Report-Arabic.pdf

4 عرض