المعلم والتحديات المعاصرة


الدكتورة منى أيوب الواكد

يُعد النهوض بأي مجتمع مِن المجتمعات غاية تسعى اليها الأمم والشعوب وانظمتها التربوية من خلال جهود مؤسسية وطنية وتعاون مع هيئات ومنظمات عالمية متخصصة. ويعتبر المعلم الركن الأساس الذي يتوجب ان تتوجه اليه جهود التطوير بكل مؤسسية وعمل تربوي وطني مخلص. إن المعلم الذي نريد والقادر على النهضة من يتحلى بالثقةِ بالنفس والقدرة على التأثيرِ في طلبته، وفي الوقت ذاته متواضع يتّسم بالأخلاقِ الحميدةِ والمتقن لمهاراتِ التواصلِ والقادر على توصيل الأفكارِ وتقريبِ المعلوماتِ، والمتمكن من القيام بدوره بكل مهنية واحتراف والمستخدم لوسائل التدريس واساليبه بمهاره واتقان، والقادر على وضعِ القوانينِ الصفية بمشاركة تلاميذه، والذي يزرع في طلابه الاحترام وتقدير الاختلاف الثقافي والاجتماعي و ذو عقلية منفتحة والمتمكن من ادوات العصر التكنولوجية (الحريري،2017 ). إن وجود هذه السمات والفضائل في المعلم توجب أن يتم اختياره استنادا لأسسِ علمية تربوية تعتمد على تحديدُ الاحتياجاتِ للنظام التربوي من خلال التحديد المسبق لحاجتَه مِن المعلمين، مِن أعدادهم وتخصّصاتهم وخِبْراتِهم وجِنْسِهم وَفْق قاعدة بيانات محددة وبناءً على حاجات سوق العمل، وتكون مسبوقة بتحديد الأهداف ويرافق ذلك مراعاة تامة لمعايير الرغبة الذاتية في ممارسة مِهْنة التعليمِ، ذلك أن على كلَّ معلم ألّا يمارَس هذه المهنَة إِلا عن حبّ وشغف؛ لأنه لا مكان للإبداع فِي العملِ من دون شغف، ذلك إن مهنة التعليم أسمى رسالة يُمكن للمعلم أنِ يقدّمها لأبنائه الطلبة ولمجتمِعه، (بطاح ،2019). إن وضع هذه السمات والأسس لم تمنع من مواجهة المعلم ومهنته للعديد من التحدياتِ واولها تدني مكانةِ المعلم الاجتماعية، فمكانةَ المعلمِ لم تَعُدْ كالسابقِ، فكانت مهنةُ التعليمِ من المِهَنِ التي تحمُلُّ المرتبة الأولى اجتماعيًا، وقد تراجعت الان هذه المكانة لصالح مهن اخرى كالطبِّ والهندسة وغيرهِا، وإذا بحثنا في أسبابِ التدني لهذه المكانه نرجعها إلى المعلمِ نفسهِ في بعض الأحيان، وذلك لعدم قدرته على القيام بالدور الموكل إليه نتيجة لضعف قدراته وامكاناته، وعدم تقديره لذاتهِ ولمهنته ارتفاع تكاليف الحياةِ بشكلٍ عامٍ، ولجوء بعض المعلمين للقيام بأعمال إضافيةٍ كالدروسِ الخصوصيةِ، أو أعمالٍ أخرى ليسَ لها علاقةُ بمهنةِ التعليمِ، أوفي إي مجالٍ أخر، الأمرُ الذي أدّى تراجع مكانة المعلم الاجتماعية. ومن التحديات كذلك، المدة التي يقضيها المعلم قبل التحاقة بالمهنة بعد التخرج من الجامعة، حيثُ ينتظرُ المعلمُ سنوات عديدة، وفي هذه الفترة تحصلُ فجوةٌ وَبُعْدٌ عن مجالِ التعليم، وعندما يمارس مهنة التعليم يشعر بالفجوة بين الموادِ النظرية والواقعِ العملي في المدارس، إضافة إلى الأعباء الكتابية التي جعلت المعلمَ يبذل جُهْدًا كبيرًا في كتابة التقارير وغيرِها والتي تستنزف طاقة المعلمِ وأبعدته عن الهدفِ الأساسي وهو عملية التعليمِ. كما أن إكتظاظ بعض المدارس وعدم وجودِ بيئة مادية مناسبة يشكّل تحديًا كبيرًا، ينعكس على الوقت الذي يمنحه المعلم للطلبة، فيكون نصيب الطالب من الحصة أقل من دقيقة ويصبح هدف المعلم الانتهاء مِن المنهاج دُوْن منح الطلبة فرصة للحوار والنقاش والاستماع للأراء. ومن التحديات كذلك، مظاهر الأَزَمة الأخلاقية المترتبة على الانفتاح في المجتمع والتغير الاجتماعي والتي أدّت إلى عدم احترام المعلم مِن قبل بعض الطلبة وأولياء امورهم، وبسبب الانفجار المعرفي والتكنولوجي الذي جعل بعض الطلبة يشعر بعدم أهمية دور المعلم، وأنه يستطيع الاستغناء عِنَه بالتعليم المبرمج والتعلم عن بعد والذاتي، وربما يعود السبب إلى المعلمِ نفسه عندما يتعامل مع الطلبة دُوْن حدود وَعَدم تَرْك مسافة كافية بينه وبين طلبته تحافظ على هيبته وقيمته بما يضمن تقديره وتوقيره. بالمحصلة مكانة المعلم وتقديره وعلو قيمته اجتماعيا مطلب اساس للنهضة والتقدم وبان التحديات الجمة التي تواجهه بالإمكان تجاوزها بالتربية والتثقيف واتخاذ قرارت تربوية تعيد له احترامه ولمهنة التعليم قيمتها وذلك بالتعاون الوثيق بين الاسرة والمدرسة ومؤسسات اعداد المعلم والجهات المشرفة والمسؤولة عن ميدان التربية والتعليم. *يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المراجع الحريري،رافدة (2017).الإعدادُ الشامل للمعلمِ المبتدئ في ظلِ الجودةِ الشاملةِ،دارُ المناهجِ للنشرِ والتوزيعِ:عمان،الأردن. بطاح،احمد (2019 ).إدارةُ المواردِ البشريِة في النظامِ التعليمِي،دارُ الشروق للنشر والتوزيع: عمان،الأردن.

12 عرض