الغش في الامتحانات المدرسية وتحدي المسؤولية الأخلاقية لأولياء الأمور

الدكتورة منى ايوب الواكد،

إن من الظواهر الخطيرة القديمة الجديدة التي تهدد الأمن والاستقرار المجتمعي والاقتصادي وتهدم الجودة والانجاز والثقة، ظاهرة الغش في مختلف مجالات الحياة والتي اخذت دفعة قوية في مجال التعليم والتحصيل الدراسي في الأونة الأخيرة بفعل وباء كورونا والإعتماد الكلي على التعلم عن بعد.

يعتبر الغشُ سلوكًا منحرفًا ومستهجنًا يتعارض مع ديننا الحنيف والقيم الأخلاقية، وهو استخدامُ الطالب أية وسيلةٍ تمكنه مِن الحصولِ على الإجابات أو الدرجاتِ في الامتحان بصفةٍ غيرِ شرعية، ولهذه الظاهرة أضرارٌ بليغةٌ على الفرد والمجتمع.

لقد حرّم الإسلام الغِش بكافة أنواعه، حيث يقول الرَسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم :" مَنْ غشنا فليس منا "، ويقف خلف هذه الظاهرة ضعف الوازع الديني، والرغبة بالحصول على العلامات بدون ادنى جهد من الطلبة، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس، وضعف ثقافة الاعتماد على الذات والجد والاجتهاد عند بعض الطلبة، والخوف من العقاب حيثُ يتعرض بعض الطلبة إلى العقاب من الأهل إذا لم يحصلوا على درجات مرتفعة وقد يكون هذا السلوكُ مجردُ تقليد حيثُ أن أكثر عبارة متداولة بين الطلبة هي أن كافةَ الطلبة يغشوا، فلماذا؟ لا أفعل مثلهم .

قد يقع على عاتقِ الأسرةِ دورٌ كبيرٌ فالأسرة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن التربيةِ السليمةِ، وعن تنميةِ الوازعِ الديني عند الأبناء وتربيتهم على الأخلاقٍ الحميدة، وتوفيرِ القدوةِ الحسنةِ لهم، والإيمان بإمكانية أبنائهم وعدم المقارنةِ بين الأبناء، والأقران، فلكل طالبٍ قدراتهُ الخاصة وتنمية ثقتهم بأنفسهم ومدّ يدِ العون والمساندة لهم،ومتابعتهم، ولكن للأسف؛ نجدُ بعضَ الأهلِ هم مَنْ يحرّضون أبناءهم على ممارسة هذا السلوك وفي هذه الجائحة نجدُ العديدَ من أولياء الأمور لاسيّما الأمهات اللاتي يقمْنَ بالإجابة عن غمتحانات الإبناء، بل ولقد غاب عن أذهانهم بأنهم بهذا التصرف يهدموا في أبنائهم القيمَ الأخلاقية وتغييبُ القدوةً الحسنة وكذلك ينموا لديهم الاتكالية، وعدم تقدير قيمة العلمِ، وهناك من الأُسر من تطالب المعلمين بالسماح لأبنائهم بالغش وتعتبرها مساعدة لهم .

ونجد بعض من المعلمين قد أصبح داعم ومساند للطلبة في هذا السلوك غير الأخلاقي، للأسف في هذه الجائحة سمعنا عن بعض المعلمين مَنْ قاموا بتقديم الامتحانات عن الطلبة، وهذا أن دل على شيء إنما يدل على عدم ثقة المعلم بنفسه وربما قد يعود إلى ثقة المعلم بأنه لم يقدّم المادة التعليمية بشكل سليم؛ لأن المعلم قد يكون غير مخلص بعمله أو لضعف المعلم بالمادة التي يطرحها، أو عدم قدرة المعلم على استخدام إستراتيجية مناسبة، لذلك يرضخ للاستسلام لهذا السلوك، وقد يكون السبب خوف المعلم من اعتداءات بعض الطلبة من قبَلهم أو من قبلَ أولياء الأمور إذا لم يسمحوا لهم بممارسة هذا السلوك، ولقد سمعنا عن بعض الحوادث من هذا القبيل ولاسيّما الذكور، إذا تكاثفت جهود المعلمين بالتشديدِ في المراقبةِ وعدم السماحِ بالغشِ لتخلصنا من هذه الظاهرة ،ولكن شعور الطالب بأن هناك تساهلًا من المعلم هو من يجعله يتجرأ على هذا السلوك غير الأخلاقي.

ويقع على كاهل الإدارة دورٌ في هذه الظاهرةِ إذ بعضُ المدارس تحاسب المعلمين إذا لم يكن هناك نسبةُ نجاحٍ معينة ولاسيّما في بعض الامتحانات الوزارية ،حيثُ إنّ هدفَ الإدارةِ أن تُثبتِ للوزارة بأنها تتميز عن غيرها من المدارسِ بهذا الِنسَبِ،ولكن إذا تكاثفت جهود المعلمين أمام الإدارة لن تستطيعَ إجبارَ كافةِ المعلمين على ممارسةِ هذا السلوك، وعلى المديرين والمعلمين أن يكونوا أشخاصًا أكفْاءً و يكونوا قدوةً، وهناك دورٌ وعِبْءٌ كبير أيضا في هذه الظاهرة على المشرفين ،حيثُ يتغيِّب الإشرافُ عن بعض المدارس أو عندما يأتي المشرفُ يختار المديرُ معلمًا متميزًا ،والصِفَ المتميز لكي يُظهر أمام المشرف بأن مدرسته هي مِن أفضل المدارس، لذلك على المشرفين أن تكون زيارتهم لكافةِ المعلمين دونَ استثناء وأنَ تكون هناك مراقبة مكثفةٌ حيثُ إن الرقابةَ تلعبُ دورًا مهمًا في تحسين الأداء ،حتى نتخلص من أساليب الغش المتنوعة.

تنوعت أساليبُ الغش في هذه الجائحة حيثُ إنّ مَنْ الأهل مَنْ يُحضرُ معلمًا خصوصيًا أو معلم المادة نفسه لكي يقوم بحل الامتحانات ،ومنهم مَنْ يقوم بالإجابة عن أبنائهم،أو اختيار أحد الإخوة لكي يقومَ بحلِ الامتحانِ عن الآخر،وهناك من يستخدم جهاز موبايل أو حتى قد يستخدم أكثر من جهاز للإجابة عن الامتحانِ،وهناك الحل الجماعي للطلبة في الامتحان .

هناك عدةُ طرقٍ وقائيةٍ للتخلص من هذه الظاهرة غير الأخلاقية، وتبدأ من الأسرة حيثُ يقع على كاهلهم الدورُ الأكبرُ في تنشئةِ الأبناءِ تنشئةً سليمةً وتنمي فيهم الوازعَ الديني والثَقةَ بالنفسِ والمتابعةَ بشكلٍ معتدلٍ بحيثُ لا تكونُ التربيةُ عبارةً عن حمايةٍ زائدةٍ ينتج عنها عدمُ تحّملِ الأبناءِ مسؤوليةِ تعليمهمِ والقدرةِ على اتخاذِ قراراتِهم،وحلِ مشكلاتهمِ ولا تكونُ الطريقةُ المتبعة الإهمالُ بحيثُ لا يقدمُ لهم النصحَ والتوجيهَ السليمَ ومساندتهم في اختياراتهم وتحقيقِ أهدافهمِ التي تتناسبُ مع ميولهم وإمكانيتهم ،وكذلك يجبُ إظهارُ القدوةِ الحسنةِ لهم،ويجب أن يكون دورُ المدرسةِ البيتِ الثانيِ مساندًا ومكملًا لدور الأسرة وأن يبرز القدوة من خلال طرحِ الأمثلة وسردِ القصصِ التي لها الأثرُ على الطلبة وتنشئتهم التنشئةً التي من أهدافها إيجادُ الطالب، والتاجرِ، والمعلمِ، والطبيبِ، والمهندسِ، والنائبِ، والوزيرِ الصالحِ الذي يعرف ما عليها من واجبات ويقومُ بها على أكمل وجهِ ويعلم مالها من حقوقٍ يحافظ عليها ،وهذا لا يتحقق إلا بتكاثف جهودِ الأسرةِ والمدرسةِ ودُوْرِ العبادةِ حيثُ إنّهُ عليها أن تذكر دائما بالحكم الشرعي لهذه الظاهرة وكذلك لوسائل الأعلام دَوْرُ في التخلص من هذه الظاهرةِ ،وأن تكون هناك خطط علاجيةُ مكثفةٌ حتى نستطيع القضاء على هذا السلوك غير الأخلاقي، الجميع مسؤول ولكلٍ منا دورٌ مهمٌ حَسْبَ مركزه سواء أكان طالبًا، أم معلمًا أم مديرًا أم مشرفًا، وحتى نتمكن من إيجاد جيلٍ يمتلكُ القيمَ الأخلاقيةِ الحميدةِ ويمتلك المهارات المعرفية و تمنعه قيمهُ من ممارسة هذه السلوكيات ويمتلك ثقةً عاليةً بنفسه وبقدراته.



*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

154 عرض