الصمت الزواجي والحلول التربوية

الدكتورة فهمية محمد أبو سعادة، دكتوراه أصول تربية، الأردن يعاني بعض الأزواج من ضعف التواصل والتفاعل الشخصي والإنساني والاجتماعي مع بعضهم لدرجة الخوف والقلق على ديمومة واستمرارية الحياة الزوجية والأسرية وهو ما يطلق عليه بالصمت الزواجي. إن الأصل في الحياة الزوجية التوافق النفسي الذي يعتبر ركيزة مهمة من ركائز الزواج الناجح والذي يعتمد على الاحترام المتبادل بين الأزواج من خلال حسن المعاملة والحوار الفعال والرقي في التعامل، إلا أن معظم الأزواج والزوجات يشكون من الصمت بعد مضي فترة من زواجهم نتيجة الإنشغال بالأولاد ومشاكل الحياة، وهذا يعود إلى العديد من العوامل والأسباب التي تشغلهم عن التواصل الإنساني في شؤونهم الخاصة والحياتية العامة، ويشار إلى حالة ضعف أو غياب التواصل والتفاعل بين الأزواج بالصمت الزوجي أو الخرس الزوجي، وهو نوع من الصمت الذي ينتاب الحياة الأسرية حيث يتعاملوا مع بعضهم داخل المنزل كغرباء، فلا يجدون أحاديث مشتركة بالرغم أن هذه الفترة تأتي بعد التوافق والانسجام، إلا إن حالتهم الاجتماعية مع من هم خارج المنزل تكون ايجابية، فيتبادلون المجاملات والحديث مع الأشخاص خارج نطاق المنزل، وهذا يشير لوجود تناقض في السلوك داخل وخارج المنزل، ويؤكد الواقع أن الرجال يمارسوا الصمت أكثر من النساء اللواتي تحاولن اقتحام ذلك الصمت لكن دون جدوى ( الجندي، 2015). ويقف خلف هذه الظاهرة غياب الانسجام بين الازواج وضعف الترابط العائلي ( الجندي وأبو زيند، 2017). و نشأة الازواج في بيوت تعاني من الصمت الزوجي وهذا يؤدي لإهمال مشاعر الطرف الآخر وهواياته وتطلعاته، وقد يكون نتيجة اختلاف الثقافة بينهما ( هميسة، 2013). وإختلاف البيئة التي نشأ بها الأزواج الى جانب إختلاف الجنسية والعادات والتقاليد والقيم وطريقة التفكير والنظرة إلى الحياة ( ماضي، 2011). كما تسهم الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي بحالة الصمت الزواجي ومستواها والعلاقة بين الازواج؛ فكلما زادت ساعات مشاهدة القنوات الفضائية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كلما زادت نسبة الصمت الزوجي وبالتالي البرود العاطفي بينهما. وبالإمكان تجاوز هذه الأسباب والعوامل وإعادة بعث الحيوية والتواصل بين الأزواج، من خلال الحوار الفعال الذي يتوجب أن يبدأ حول حياتهم المشتركة وحول طريقة تربية الأبناء، والابتعاد عن الرأي الأحادي وتقبل رأي الأخر، وايجاد الوقت المناسب للحوار، كما يتوجب مناقشة حلول المشاكل بعقلانية بعيداً عن تدخلات الوسط الاجتماعي، إضافة لتقبل كل طرف للآخر بكل صفاته، إذ إن محاولة تغيير الطرف الآخر تعتمد على قناعته نفسه بالتغيير وإلا فلا داعي للمحاولة، ويجب عدم مقارنة الطرف الآخر بأقرانه وطريقة حياتهم فلكل حياة خصوصيتها، بل الإشارة إلى الصفات التي يرغبها كل منهما بالآخر دون المقارنة مع الغير، وبنفس الوقت الإشارة إلى الصفات التي لا يحبها الشخص بالشريك دون المقارنة بالآخرين، ومحاولة اقتحام هالة الصمت بالحديث عن أمور يهتم بها الطرف الآخر، والإشعار بالاهتمام قدر الإمكان سواء بالحديث والحوار، أو بالذهاب إلى المناسبات معاً، أو التشارك مع الأصدقاء، أو تبادل الهدايا. يجب الإشارة هنا لوجود حالات يكون فيه الصمت أسلم من الحوار؛ وهو عندما يحتد خلاف بينهما ويسلك الحوار مسلكا أحادي الرأي، أي لا يقتنع سوى بأفكاره، فيجب الصمت هنا وتأجيل الحوار لوقت آخر مناسب، وقد يكون الصمت مناسب ليزيد من مساحة الاستماع للشخص المنفعل، وقد يكون الصمت وقت الانفعال جزء من الحكمة وهذا لا يعني عدم الخضوع بالحوار بل تأجيل الحوار لوقت مناسب تكون فيه النفوس هادئة. فالصمت هنا يكون مهدئ للألم نتيجة الخلاف القائم ومهدئ للأعصاب حول تلك المشكلة. بالمحصلة فإن الصمت الزواجي يرتبط بأبعاد شخصية ونفسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإنسانية وجميعها يمكن تجاوزها بمحاولة فهم كل طرف للآخر، وتجاوز أوجه الاختلاف وبتعظيم جوانب الإتفاق إحتراما لعلاقة زوجية وإنسانية وأسرية بنيت خلال مرحلة حياتية مبكرة وبأن الصمت خلالها يعجل بموتها وبالتالي فإن بعث الحياة بها مسؤولية مشتركة للزوج والزوجة. *يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المراجع: - الجندي، نبيل (2015). مقياس جامعة الخليل الرباعي للتوافق الزوجي، الخصائص السيكومترية، مجلة دراساتا لجامعة الاردنية. - الجندي، نبيل وأبو زيند، مها(2017). الصمت الزوجي وعلاقته بالتوافق النفسي لدى عينة من الأزواج في الضفة الغربية، مجلة البلقاء للبحوث والدراسات. 20 (1) : 25-41. - ماضي،جمال(2011). الخلاف الزوجي، ط2، دار التوزيع والنشر، القاهرة. - هميسة، بدر (2013). مرض الخرس الزوجي ( الأسباب – العلاج)

45 عرض