الجامعات وتحدي التطرف الفكري

الدكتورة روان محمود محمد العقيلي، أصول تربية، الأردن


أصبح موضوع التطرف، لاسيما في الوقت الحاضر، الشغل الشاغل لكثير من المفكرين، والحكومات، والمؤسسات التربوية، والمجتمعات، خاصة بعد أن ثبتت علاقته الوطيدة بانتشار الإرهاب على نطاق واسع في كثير من الدول، الأمر الذي أستدعى البحث عن جذوره وأسبابه، وأبعاده المختلفة. وقد شرعت معظم الدول في استحداث خطط واستراتيجيات لمكافحة التطرف والإرهاب، ووضعت برامج، واتفاقيات إقليمية، ومعاهدات دولية لمواجهته.

ويعد مفهوم التطرف من المفاهيم التي يصعب تحديدها، أو إطلاق تعميمات بشأنها، نظراً لما يشير إليه المعنى اللغوي للتطرف من تجاوز لحد الاعتدال، وحد الاعتدال نسبي يختلف من مجتمع لآخر، وفقاً لنسق القيم السائدة في كل مجتمع، فما يعتبره مجتمع ما سلوكاً متطرفاً، قد يكون سلوكاً مألوفاً في مجتمع آخر. فالاعتدال والتطرف مرهونان بالمتغيرات البيئية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع. كما يتفاوت حد الاعتدال والتطرف من زمن إلى آخر، فما يعد تطرفا في الماضي ربما لا يكون كذلك في الوقت الحاضر، ومع ذلك فقد تمكن المهتمون في هذا المجال من التوصل لعدد من التعريفات لمفهوم التطرف.

عَرف مجمع اللغة العربية التطرف بأنه: من الفعل طرف الشيء أي جعله طرفاً (البرعي، 2002)، وفي لسان العرب: التطرف من طرف العين والطرف هو إطباق الجفن على الجفن، أما اصطلاحا فهو الغلو في عقيدة أو فكر أو مذهب أو غيره، مما يختص به دين أو جماعة أو حزب (الصاوي، 1996). والتطرف حديثاً هو مصطلح يشير إلى فرد أو جماعة اعتنقت فكراً أو مذهباً أو سلوكاً ما، على نحو يخالف ما أجمع عليه المجتمع (الحربي، 2011). وقد يتحول التطرف من مجرد فكر إلى سلوك ظاهري أو عمل سياسي، فيلجأ المتطرف عادة إلى استخدام العنف كوسيلة لتحقيق المبادىء التي يؤمن بها، أو اللجوء إلى الإرهاب النفسي أو المادي أو الفكري ضد كل ما يقف عقبة في طريق تحقيق المبادىء والأفكار التي ينادي بها هذا الفكر المتطرف ( الجراد، 2006). وينظر للتطرف على أنه المبالغة في التمسك بجملة من الأفكار قد تكون: سياسية، أو دينية، أو عقائدية، أو اقتصادية، تشعر مَن يعتنقها بامتلاك الحقيقة المطلقة، مما يخلق فجوة بينه وبين النسيج الاجتماعي الذي يعيش فيه وينتمي إليه، الأمر الذي يؤدي إلى غربته عن ذاته وعن الجماعة (البرعي، 2002). وللتطرف أنواع عدة منها التطرف الديني والذي من خلاله يعبر الشخص عن آرائه بحجج وأدلة دينية، ويستخدم في ذلك ما يحلو له من آيات، وعقائد دينية بتفسيرات تساير فكره وآرائه. وهناك ما يعرف بالتطرف السياسي والاجتماعي، ويقصد به شعور فرد أو جماعة ما بالعداء والتمرد والرفض والاغتراب تجاه المجتمع بمؤسساته المختلفة (الحربي، 2011)؛ وكما يرتبط مفهوم التطرف ببعض المفاهيم التي يصعب فصلها عنه، أو الحديث عن التطرف دون التطرق إليها، فهي تعد مرادفات لمصطلح التطرف مثل الإرهاب والتعصب والتشدد والغلو والعنف.

ولا شك أن انتشار الأفكار المتطرفة يعبر عن أزمة قيمية في المجتمعات العربية، إذ يعد التطرف الفكري من أهم وأخطر المشكلات التي تواجه المجتمع، والتطرف الفكري مصطلح حديث نسبياً لقي اهتماما واسعاً، كما أنه يختلف باختلاف توجهات المجتمع، في معتقداته، وقيمه، وأسلوب حياته (الخرجي، 2010)، وهو ظاهرة تندرج تحت فرض المذاهب والعقائد، وليست ظاهرة جديدة في المجتمع البشري، ولا تختلف هذه الظاهرة عن غسل الدماغ في الوقت الحاضر، سوى أن هذه العملية تتم الآن بوسائل أكثر تجريبية وتقصداً، أي أن تلك الوسائل والفنون بقدر ما كانت تجريبية وعفوية، أصبحت الآن بفضل العلوم النفسية، ذات تقنية منسقة مخططة وعرضه للتطوير المستمر (نسيم، 2014).

والتطرف الفكري يتمثل في الخروج على عادات المجتمع وقيمه (Arthur,2015)، وهو الغلو، والمبالغة، ونبذ الآخر، ورفض الحوار، والتصلب، وهي ظاهرة متعددة الأبعاد، لها تأثيراتها على السلوك الفردي والجماعي، كما تؤثر في علاقة المتطرف بالمجتمع وأسلوب التعامل مع الآخر (Chawla, 2015)، ويعد التطرف الفكري حالة مرضية، تصيب صاحبها بداء الاكتئاب والانفصام والانطواء على الذات، وتزين له الانعزال عن الجماعة، وينتابه شعور النقص الذي يولد الحقد والكراهية للغير أفراداً وجماعات ومجتمعات، أو شعور التعالي بظنه أنه على صواب، وأن غيره مخطئ أو على ضلال، ويغذي التطرف الفكري في نفس صاحبه الجهل المركب، حيث لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، بل يعتبر نفسه مالكاً للحقيقة في المطلق، وغيره جاهلاً بها، ومجانباً للصواب في المطلق (أكاديمية المملكة المغربية، 2004).


ويبلغ التطرف الفكري الحد الأقصى عندما يتبنى الفرد فرضية المنهج الواحد، وتصبح شخصيته تتصف بسمات الشخصية المتطرفة، ومن أهمها الجمود المذهبي، أي عدم قبول الآخر، وعدم قبول التغيير، ومقاومة المرونة، والحيلولة دون التطور، كما توصف بالتعصب، حيث أن أصحاب هذه الصفة يكونون أكثر تطرفاً من غيرهم (نسيم، 2014). ومن سمات الشخصية المتطرفة المغالاة في إتباع الجماعة التي ينتمون إليها، وقبول أفكارها، ومواقفها دون إخضاعها للنقد والتمحيص، ويعود السبب في هذه المغالاة إلى تفشي الجهل والفقر، ووجود قصور في أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة (Borum, 2014).


ومن أهم أسباب التطرف الفكري المفاهيم الدينية الخاطئة، والتعصب العقدي والتطرف الديني، والفراغ الفكري، والتشدد والغلو في الدين، وتفشي المنكرات والكبائر،والعوامل الاجتماعية والتربوية، وانفتاح المجتمع غير المخطط مع غياب القيم، وانتشار البطالة، وتأخر سن الزواج، وعدم وجود مجالات مناسبة لامتصاص طاقات الطلبة، والهجرة من الريف إلى المدينة وانتشار الأحياء العشوائية الفقيرة، وأزمة التعليم ومؤسساته، والعوامل السياسية والاقتصادية، والاعتماد على أسلوب الحل الأمني فقط، والوصول بصاحب الفكر الخاطئ إلى حافة اليأس، وغياب العدالة الاجتماعية، وتضييق دائرة الشورى والديمقراطية أو انعدامها، وسياسات الهيمنة الأجنبية (اليوسف، 2006).

وفي ضوء انتشار العولمة أصبح غرس القيم، والوقاية من التطرف الفكري من أهم أدوار المؤسسات التربوية (Halea, 2012) من خلال استخدام هذه المؤسسات التربوية لأسس وآليات فعالة ناضجة لتعزيز القيم، وحماية الموروث الفكري للأمة، وحفظ خصوصيتها من أي تشويه، أو طمس لمعالم هويتها الحضارية، وتعزيز قيم المجتمع وثقافته، بحيث يمتلك ثقافة إنسانية واعية قادرة على التعامل مع التغير السريع، ويمتلك نظرة كافية ورؤية ناقدة ، لذا لا بد من ضرورة إسهام التعليم في محاربة الإرهاب والتطرف الفكري، باعتباره مصدر قلق للشعوب، ومن الضروري لقطاع التعليم الرسمي أيضا التقدم في عملية مكافحة الإرهاب من خلال المناهج الدراسية في جميع المراحل التعليمية، من خلال تعليم النشء مهارات حل المشكلات وتدريبهم عليها بشكل عملي، بالإضافة إلى ضرورة تنمية شخصية الطالب في جميع مراحله الدراسية، والمساهمة في بناء الثقة بالنفس واتخاذ القرار المناسب، وترسيخ مفهوم التعددية الثقافية والتسامح والعدالة كأداة للوقوف في وجه الإرهاب والتطرف على نحوٍ لا يضعف ولا يلين ( 2008 Lynn& Davies)، ومن أهم هذه المؤسسات الجامعة، إذ تؤدي دورا مهما في الوقاية من مظاهر التطرف الفكري؛ بوصفها صورة من صور المجتمع، فهي انعكاس لذلك المجتمع بمشكلاته وتناقضاته، فالجامعة لها الدور الأبرز في بث روح الاستنارة وإعمال العقل، وغرس القيم الأخلاقية، وتكريس مفهوم نسبية المعرفة، وتغيرها وتبدلها كل لحظة من الزمن، وهذا الدور التأصيلي للجامعة هو المنوط به تقليص العنف والتطرف ( البرعي، 2002)، لذا تتطلب عملية الوقاية من مظاهر التطرف الفكري اتخاذ خطوات عملية وقائية تتمثل بالحفاظ على مخزون أذهان الناشئة من الثقافات والقيم المبادئ الأخلاقية التي يتلقونها من مجتمعهم، لذلك يناط بالمؤسسات التربوية بمراحلها المختلفة أدوار مهمة لوقايتهم من التطرف الفكري (Ovwata, 2000). ومن أهم هذه المؤسسات التربوية الجامعات، والتي تعد من أهم مؤسسات المجتمع التي تعنى بتدريب الطلبة وتأهيلهم لسوق العمل، كما أن الجامعات ممثلة ببرامجها ذات أثر كبير في توجيه سلوكيات الطلبة، لذا يمكن أن تؤدي الجامعات دوراً كبيراً في الوقاية من مظاهر التطرف الفكري لدى الطلبة، بالترغيب في دراسة علوم الشريعة الغراء، وتحفيز الناشئة على الالتحاق بكليات الشريعة، لفهم الإسلام ومبادئه بصورتها الصحيحة، ونقل تعاليمه وقيمه للمجتمع الكبير (حنفي، 2005).


ومن أهم ادوار الجامعات الوقاية من مظاهر التطرف الفكري، واستثمار الوسائل الإعلامية الحديثة وبخاصة المواقع الإلكترونية في نشر الوعي الاجتماعي والسياسي، وتعريف الطلبة على مستوى المجتمع بمخاطر الجماعات المتطرفة، والأخطار المترتبة على الانضمام إليها، وتعريف الطلبة بأهداف الجماعات المتطرفة وآلياتهم التي يستخدمونها في أقناع الطلبة (Woo& Lax man, 2013 ). لذا على الجامعات أن تقوم بدورها التثقيفي المتمثل بتوضيح مفاهيم الحرية الشخصية، وتعريف الطلبة بمخاطر التعصب، والتشدد والعنف، وآثارها على المجتمع، وتعزيز ثقافة الحوار، وتعميق الوعي السياسي لديهم، إلى جانب تبني الجامعات عقد البرامج والندوات والمحاضرات، وإصدار المنشورات، بغرض التوعية الدينية الشاملة، والتوعية بمظاهر التطرف الفكري، ومخاطره على الأفراد والمجتمع (Mahmood&Sajid,2012 )، كما تعد الجامعة عقل الأمة، ومركز التفكير في حاضرها ومستقبلها، كما أنها تمثل معيار مجد الأمة ودليل شخصيتها الثقافية، والحصن المنيع لتراثها الحضاري والإنساني، لما يتوافر لديها من كوادر مؤهلة قادرة على التعامل مع المشكلات والتحديات التي تمر بها المجتمعات المعاصرة. ولذا فإن مستوى الجامعة يتأثر بأساتذتها لا بمبانيها، فالجامعة تنهض بفكر أعضاء هيئة التدريس فيها وبعلمهم وخبرتهم قبل أي شيء آخر، وسمعة الجامعة من سمعة أسرتها الأكاديمية، لذا تأخذ الجامعة مكان الصدارة في المجتمع، فهي مركز إشعاع لكل جديد من الفكر والمعرفة والاختراعات، والمنبر الذي تنطلق منه آراء المفكرين والفلاسفة ورواد الإصلاح والتطور (بني فياض، 2008 ). لذا يتعين 'علينا مواجهة الانحراف الفكري والتطرف والإرهاب، من خلال إستراتيجية تبحث عن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة وسبل مواجهتها وسبل الوقاية منها، خاصة لإعداد جيل المستقبل.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

المصدر

23 عرض