الجامعات والتربية الأخلاقية للطلبة

الدكتور علاء خميس الخزاعلة، أصول تربية، الأردن


تشكل التربية الأخلاقية أحد أبرز أركان العملية التربوية ونسقاً حيوياً في نسيج وجودها، وإنه من الصعوبة بمكان الفصل ما بين الأخلاق والتربية، إذ لا يكون أحدها دون الأخر، ذلك أن التربية فعل أخلاقي في جوهره، كما أن الأخلاق فعالية تربوية بطبيعتها، ويتجلى هذا التصور للعلاقة ما بين التربية والأخلاق في رؤية هربرت سبنسر الأخلاقية بأن الغرض الجزئي والكلي من التربية يتمثل في فكرة الفضيلة. وتأسيساً على هذه الرؤية لا يمكن للأخلاق أن تنفصل عن جوهرها التربوي، في الوقت الذي لا يمكن فيه للتربية أن تنقطع عن كونها رسالة أخلاقية في أشمل تجلياتها الإنسانية وأعمقها على الإطلاق، وعلى هذا النحو يصعب تماماً إيجاد الحدود الفاصلة بين التربية والأخلاق، أو بين الأخلاق والتربية، لأن كلاً منهما يرتهن بالآخر، ويتكامل معه في عملية بناء الإنسان والتاثير في سلوكه والنهوض به إلى مستوى السمو الإنساني والأخلاقي. ولما كانت الجامعة مؤسسة علمية تربوية وإجتماعية تعنى بتربية النشئ، وهي التي تختار لهذه الغاية، الخبرات والكفاءات العلمية القادرة على بناء الإنسان المتمكن من العلم والمعرفة و القيم الأخلاقية، فإن كل عمل ونشاط يجري في الجامعة يجب أن يظهر إرتباط عناصر العملية التربوية بالقيم الأخلاقية للمجتمع (ناصر،2006).


وأصبح الدور الذي تؤديه التربية في بناء المنظومة الأخلاقية في المجتمع قضية فكرية تطرح نفسها بقوة في المجال التربوي، وقد عمل Durkheim في هذا الميدان، وبقيت أعماله حول التربية الأخلاقية منارة علمية يمكن للباحثين الإهتداء بها في تناولهم لهذه المسألة الحيوية من حيث طبيعة التربية الأخلاقية ووظيفتها. وبات واضحاً اليوم أن التفكير بالتربية الأخلاقية يطرح نفسه في مواجهة تحديات العنف والتعصب والعدوانية والفساد والغش والطمع والعنصرية التي تفرض نفسها في الحياة الإجتماعية المعاصرة (وطفة، 2011).


إن تربية الطلبة وتهذيب أخلاقهم من أهم الوظائف التي تضطلع بها الجامعة، ذلك أن تربية الطلبة على أخلاقيات الصدق والامانة والوفاء والإلتزام القيمي، وحفظ النفس والكرامة والعزة، والإلتزام بالعمل والواجبات، والإخلاص بالعمل وممارسة الفضيلة، كل هذا يساهم في بناء الإنسان المنتمي لوطنه والإنسانية، إلا إن تعليم كل ذلك يتطلب من الجامعة دور مؤسسي منظم يقوم به كل من أعضاء الهيئة التدريسية والإدارية والمناهج الدراسية والفعاليات والأنشطة، كما تتطلب قدر من الحرية دون أي تدخل إداري قد يعيق التربية الأخلاقية للطلبة، وأن يتم خلق ظروف وبيئات لتنمية وبناء الأخلاق والفضيلة لدى الطلبة (سلوم، 2009).


إن العملية التعليمية في الجامعة تشكل الركن الأبرز في التربية الأخلاقية للطلبة من خلال المنهج الدراسي والتفاعل التربوي الذي يجري داخل قاعات الدرس والمحاضرات والمختبرات وبما يسهم في في بناء الشخصية والسلوك الأخلاقي لدى الطلبة. حيث يسهم الأستاذ الجامعي في إعداد الطلبة الإعداد القيمي وغرس الأخلاق النبيلة الفاضلة لديهم إضافة إلى دوره الأكاديمي المتمثل بنقل العلوم والمعارف إليهم والعمل على ترسيخها في أذهانهم. وفي ضوء ذلك ينبغي عليه أولاً أن يتحلى بالأخلاق ويتمثلها ويتصف بها وأن تكون قناعته راسخة وحقيقية بدوره الفاعل في التربية الأخلاقية عند طلبته وبالتالي أن يعمل على إبتكار مختلف الأساليب والوسائل الفعالة من أجل تكوين الشخصية الأخلاقية الفاضلة عند طلبته وتعزيزها . وعليه أن يكون قدوة ومثالاً يحتذي به للطلبة في تصرفاتهم وسلوكهم وأن يقوم بدور تربوي وأخلاقي ريادي وإنساني لبناء الإنسان المتحلي بالفضائل والكمالات الأخلاقية.


وينبغي للجامعة أن توجه نشاطاتها اللاصفية من النشاطات الثقافية والإعلامية والفنية والرياضية والترفيهية وغيرها بإتجاه تعزيز القيم الأخلاقية وقيم الخير والحق وتعمل على توجيه الطلبة من خلال هذه النشاطات إلى التربية الأخلاقية الفاضلة والقيم النبيلة التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها، وأن تكون برامجها ونشاطاتها الأخرى موجهه بإتجاه هذا الهدف والذي من خلاله تستطيع أن تساهم في التنشئة الأخلاقية الصحيحة والفاضلة للطلبة وبالتالي أبناء المجتمع بصورة عامة.


وفي إطار الإهتمام بالتربية الأخلاقية على مستوى الجامعات، فإن الحاجة ملحة لعملية تربوية شاملة متكاملة تقوم على اُسس علمية تربوية تسند للمؤسسات التربوية والإجتماعية والإعلامية للتربية الأخلاقية لأبناء المجتمع لينعم المجتمع بممارسات قيمية وأخلاقية مسؤولة.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

المصدر

37 عرض