التنوع الثقافي ضرورة حضارية!

مريم أحمد ابو زيد

التنوع الثقافي ضرورة حضارية تتميز المجتمعات البشرية بثقافتها المتنوعة والمختلفة والتي تمنحها الخصوصية فيما تمارسه من طقوس وعادات وتقاليد وأعراف وتعبر عن هويتها الوطنية بمظاهر غنية مادية ومعنوية. ويعبر ذلك عن تنوع ثري وحضاري للثقافات البشرية خلق منها فرص للالتقاء والتفاهم والعيش المشترك على فرضية أن كل ثقافة تكمل وتحترم غيرها من الثقافات. يشير ليدن روززنر للتنوع الثقافي بأنه ما يميز مجموعة أفراد عن غيرها اعتبارا لجملة من الأبعاد الأولية والثانوية والتي لها تأثير مباشر على هوياتهم مثل النوع الاجتماعي، العرق، القدرات العقلية والجسدية، والتوجه الجنسي، أما الأبعاد الثانوية فتشمل الخلفية التعليمية، الموقع الجغرافي، الدين، اللغة والخبرات العملية والتنظيمية، في حين عرفه كوكس بأنه التمثيل في نظام اجتماعي واحد للأفراد من ذوي الانتماءات المختلفة، أما طيب فيرى أن تنوع القوى العاملة يشير إلى الخلفيات المختلفة للموظفين من حيث النوع الاجتماعي، العرق، السن، المكانة الاجتماعية، القدرة الجسدية، العقلية والتوجه الجنسي، كما يمكن أن يضم التعريف جملة المهارات الفردية والمؤهلات العلمية والخبرة العملية، وبالتالي فالتعدد الثقافي يستخدم عند اجتماع أفراد من مختلف الخلفيات والصفات في مكان العمل. إن المتبع بطبيعة الاتصال بين الثقافات المختلفة وخاصة في بيئة العمل يجد بلا أدنى شك أن هناك العديد من العوائق التي تكمن وراء تحقيق سبل الاتصال الفعال منها اختلاف اللغة التي يتم اعتمادها بالتواصل بين الأفراد، والتباين في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، والتباين في العرق والأصول التي ينتمي إليها الأطراف المختلفة داخل التنظيم الواحد، والتباين في المعتقدات الدينية والقيم التي تنشأ منها، والتباين في التاريخ والتراكمات الحضارية الموروثة للأطراف المختلفة. إن التنوع الثقافي في المجتمع، يشكل عاملا هاما ومساعدا على التنمية بأشكالها وأنواعها كافة، ولا ينحصر ذلك في تنمية الثقافة وحدها طالما أن هذا التنوع يساعد على تنمية المواهب والإبداع الإنساني في المجالات كافة، وقد ورد في الفقرة الثالثة من إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي (إن التنوع الثقافي يوسع نطاق الخيارات المتاحة لكل فرد، فهو أحد مصادر التنمية، لا بمعنى النمو الاقتصادي فحسب، وإنما من حيث هي أيضا وسيلة لبلوغ حياة فكرية وعاطفية وأخلاقية وروحية مرضية). بهذا المنظور يمكن أن يؤدي التنوع الثقافي إلى خلق منظومة حياتية متكاملة ومتطورة في آن واحد، وهذه إحدى أهم مزايا التنوع الثقافي، حيث يتاح للفرد أن يعبر عن آرائه سواء عبر الفن أو الثقافة أو السياسة أو الوسائل الأخرى التي يكفلها له النظام الديمقراطي ويحميها بل يطورها وينشرها ويجعلها متاحة للجميع دون استثناء فتشكل عامل قوة متبادلة بين السياسي وسلطته وبين التنوع المجتمعي من خلال تنوع ثقافاته وحمايتها في آن واحد. (هادف، 2015). ويسهم التنوع الثقافي في خلق بيئة عمل متعاونة من خلال عمل الجميع على حل المشاكل في مكان العمل المتنوع، قد يكون لديك فائدة الحصول على مجموعة متنوعة من الحلول لمشكلة واحده. والتنوع يجمع الموظفين ذو وجهات النظر المختلفة حول كيفية التعامل مع حل المشكلة. هذا التنوع يساعد الموظفين في إيجاد الحلول ويمكن أن يساعدها أن تبدو أكثر تفهما لمختلف القضايا. ومكان العمل المتنوع يعرف الموظفين بالخبرات والثقافات والأفكار التي قد لا تصادفهم خلاف ذلك. التنوع يمكن أن يزيد من التسامح بين الموظفين لوجهات النظر المختلفة وفهم الثقافات الأخرى، والتي يمكن أن تقلل من الصراع بين الأفراد وزيادة إنتاجيتهم. التدريب على التسامح وسياسة المنظمة للتسامح هي أدوات مفيدة عند التعامل مع قضايا التنوع في مكان العمل. والتنوع في مكان العمل يمكن أن يكون شيء إيجابي طالما هناك تمثيل مناسب ومعاملة متساوية بين الجماعات خلاف ذلك، يمكن أن ينمو الشعور بالاغتراب وعد الرضا بين الأفراد. تطوير سياسات الشركة التي تشجع التفاعل بين جميع العاملين لكسر الحواجز الاجتماعية والثقافية وفروق الخبرة. تشجيع الموظفين لمعرفة القيمة والمهارة لكل موظف والعمل على أنشطة بناء فريق متكامل لكل قسم. ويمكن للموظفين المتنوعين ثقافيا المساعدة في فتح الأسواق في الأقاليم المختلفة للدولة وتوسيع نطاق العمل. الاستفادة من مجموعة متنوعة من الخلفيات الثقافية من موظفيك لفهم أفضل الطرق التي تقبل بها المجتمعات الأخرى منتجاتك وخدماتك وما تقوم به من أعمال.

والتنوع الثقافي ينطوي على أكثر من مجرد الثقافة والخلفية الاجتماعية ونوع الجنس. فهو يشمل تفرد كل شخص، وخبرته في شخصيته التي هي مختلفة ولكن يجب أن يتم التعامل معها في مكان العمل. يؤثر التنوع على الأداء، لذلك من المهم إدارة أية مشكلات قد تنجم عن الصراعات الشخصية. يحدد التنوع أيضا كيفية تفاعل الموظف مع الموظفين الآخرين ونوع الحافز المشترك في الأداء الوظيفي. ويصف الكثير من الباحثين في المهتمين بعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) المجتمعات الحية بأنها قابلة للتجدد الدائم، حيث يتشكل نسيجها الاجتماعي من مجاميع عرقية ودينية متعددة لها ثقافاتها التي لا تشبه غيرها ما يؤدي إلى تلاقح ثقافي مذهل تنتج عنه منظومة ثقافات متعددة تسند بعضها الآخر مثلما تكمل بعضها الآخر تماما. لكن الأمر يرتبط بطبيعة النظام السياسي الذي يصنع القرار في تلك المجتمعات، فالتنوع الثقافي يحتاج إلى بيئة متحررة تكفل حرية الرأي والاختلاف والتعبير في ظل أنظمة ديمقراطية تحقق للجميع فرصا متساوية في المجالات كافة، وكلما كان التنوع الثقافي متاحا ومحميا من لدن السياسيين على وجه الخصوص كلما كان أكثر ثراء وتأثيرا في تجديد أنشطة المجتمع وأفكاره وتوجهاته. إذن فالميزة الأولى للتنوع الثقافي أننا سنصل إلى حياكة نسيج اجتماعي متجانس وإن كان ذا ثقافات متعددة، وهنا سيكون التنوع السكاني العرقي وغيره داعما للتنوع الثقافي وبالعكس، بدلا من أن يكون التنوع في حالة صراع تقود المجتمع إلى حالة من النكوص والتردي لا يمكن التكهن بعواقبها. فمن الممكن أن يكون التنوع العرقي عاملا للصراع والتناحر بين النسيج المجتمعي فيما لو كان ينبذ التنوع الثقافي ولا يقره وكذا الحال بالنسبة للتنوعات الأخرى، أما في حالة الإقرار بصحة التنوع الثقافي والقبول به وحمايته وتنميته بين أفراد المجتمع كافة، فإن ذلك سينتهي إلى بناء مجتمع متحرر يتحلى بمزايا عصرية تيسر له اللحاق بالركب المتقدم للمجتمعات الحرة المعاصرة. إن الفائدة المرجوة من التنوع الثقافي تكمن في تنوع الخبرات والمهارات وأساليب التفكير وإمكانية تقديم مبادرات وأفكار جديدة تفيد الموظفين كثيرا خصوصا في فترات الأزمات والحاجة إلى وقوف الجميع صفا واحدا لمواجهة أزمة معينة. والإنتاجية يمكن أن تزداد سواء على مستوى الأفراد أو الأقسام حيث إن الأفراد من مختلف الفئات المتنوعة عندما يشعرون بوجود التقدير والعدالة والمساواة في التعامل فإنهم سيبذلون قصارى جهودهم للارتقاء بمستوى الأداء. والمشاركة في صنع القرار والتمثيل العادل لكل الفئات في اللجان أو فرق العمل سيؤدي إلى تحفيزهم ودفعهم إلى مزيد من الإنتاج. ولعل الإبداع والإتيان بشيء جديد هو عنصر المنافسة الأساسي في عالم اليوم وعادة ما يحاول أعضاء الفئات المتنوعة إثبات وجودهم من خلال المثابرة وتقديم ما هو متميز وجديد. وفي حال عدم احترام التنوع ووجود ممارسات غير قانونية تجاه الأقليات أو بعض الفئات الأخرى، يؤدي إلى ارتفاع نزوح العاملين الأمر الذي يعني تكاليف إضافية للتعاقد مع عاملين جدد ودفع غرامات ومعالجة شكاوى الموظفين الخارجين من المؤسسة، إضافة إلى ظهور تجمعات غير الرسمية التي تتخذ العنصرية شعارا لها وذلك بلا شك سيؤثر على سير العمل (هادف، 2015).


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المراجع

رانية هادف. (مارس, 2015). التنوع الثقافي كعامل لخلق الضغط النفسي عند الفرد في بيئة العمل. اعمال المؤتمر الدولي الثامن : التنوع الثقافي، الصفحات 277- 287.


30 عرض