التطرف الفكري والحلول التربوية

الدكتورة رويده زهير العابد، أصول التربية، الأردن


يعيش العالم بأسرة ظهور غير مسبوق للتطرف في كافة صوره واشكاله على نحو أصبح يهدد أمن المجتمعات والدول، ولا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات، و تتعدد الأسباب المؤدية إلى التطرف، فقد يكون نتاجاً اجتماعيا أو دينياً أو فكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً، ويدخل التطرف الفكري في جميع الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، إذا تم الخروج عن المألوف في تلك الأنظمة. ويشير التطرف الفكري الى المغالاة والتحيز إلى أفكار معينة دون سواها والتمسك بها ورفض المناقشة والحوار مع الآخرين وعدم الاعتراف وتقبل الرأي الآخر في أي موضوع مما قد يلجأ المتطرف للعنف للدفاع عن أفكاره التي يتبناها (الرقب،2007). ويمثل التطرف الفكري ظاهرة خطيرة تهدد أمن الأفراد والمجتمعات، وخصوصاً عندما تغزو عقول الشباب وتؤثر على آرائهم واتجاهاتهم وأفكارهم نحو القضايا السياسية والاجتماعية والدينية فالتطرف موجود منذ أقدم العصور، ولكنه احتلّ بعداً جديداً في المجتمعات الحديثة عندما أنتج التطرف ظواهر كالعنف والإرهاب والسلوك العدواني اتجاه الأبرياء والممتلكات العامة، وفوضى وزعزعة الأمن في المجتمع(رشوان،2002).


كما ينتج عن التطرف الفكري العديد من الممارسات والأفعال المخالفة لقيم الإسلام الأصيلة، ومن تلك السلوكيات ممارسة الإرهاب الذي شاع في العديد من الدول فالكثير من الأرواح زهقت بسبب ممارسة الإرهاب المبني على تطرف صارخ في الفكر ورفض الاخر. إلا محاربة التطرف ليست ذريعة لتقليص مساحات الحرية، وتفاقم الاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، وتفتيت الوحدة الوطنية وزرع البغضاء، وتجفيف منابع العمل الفكري الإبداعي أو الدعوي الديني. لذلك يتوجب الوقاية من الفكر المتشدد من خلال ضخ المزيد من الحريات الناضجة المنضبطة بالقوانين والأنظمة والقيم، وتعاون جميع المؤسسات وفق المسؤولية المجتمعية، وشحذ قيم التفكير النقدي، والتصدي للتطرف الفكري وما ينتجه من دمار وكوارث تهدد امن الانسان ( ملك والكندري، 2009). إن أضرار التطرف الفكري تمس الجوانب الفكرية والعقائدية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والثقافية والسياسية للإنسان والمجتمع والدولة، و تتمثل الانحرافات الفكرية في إنتشار البدع والمحدثات بين الناس، و زعزعة المجتمع وتفرقته، وانتشار الفسادو وتشويه صورة الفكر الإنساني والاسلامي المعتدل والوسطي، وتهميش قيمته، من خلال وسائل الإعلام المختلفة. كما يمس هذا التطرف اللغة العربية واستبعادها، وانتشار جرائم الاعتداء على الأنفس بالقتل وسرقة الأموال، والتكفير، واختلال الأمن وممارسة الفساد الخلقي بشتى أنواعه بفعل تعاطي الخمور والمخدرات واقتراف الفواحش، وانهيار المنظومة القيمية الأخلاقية التي تحكم سلوك الأفراد في المجتمعات وتفسخ الأسرة، وتمزق الوحدة للأمة واختلاف كلمتها، واهتزاز الأمن في حياة الناس وعيشهم بحالة من الرعب والقلق الاضطراب السلوكي (الزهراني، 2016). إن التطرف الفكري يسفر عن خلل في الهوية الفكرية وبالتالي سهولة غزو المجتمع في جوانب حياته الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، والتي يترتب عليها حالة من الاغتراب والانسلاخ عن الذات و التخلي عن العادات والتقاليد والقيم الأعراف، والأخلاق الفاضلة للمجتمع. إن مخاطر التطرف الفكري توجب على صناع القرار والقادة التربويين اتخاذ إجراءات واقعية ومنطقية في تحصين الناشئة ضد التطرف الفكري من خلال بناء منظومة قيمية فكرية أخلاقية تفعل في المؤسسات التربوية بدء من الأسرة ورياض الأطفال والمدرسة والجامعات ودور العبادة ووسائل الإعلام. وعمل برامج توعوية تنشر الفكر الوسطي الإسلامي تبث عبر قنوات الإعلام الوطنية. واتخاذ الإجراءات والعقوبات الحازمة بشأن المتطرفين فكرياً.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.



المصادر والمراجع:

رشوان، حسين (2002). التطرف والإرهاب من منظور علم الاجتماع. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة.

الرقب، سعيد (2007)، الهوية الثقافية في الفكر التربوي العربي المعاصر وتحديات المستقبل، (ط1)، عمان: دار يافا العلمية للنشر والتوزيع.

الزهراني، علي (2016). إسهام مقرر الثقافة الإسلامية في توعية طلاب جامعة الملك عبد العزيز بالانحرافات الفكرية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية.

ملك، بدر والكندري، لطيفة (2009). دور المعلم في وقاية الناشئة من التطرف الفكري، مجلة كلية التربية، 142(1)، 52-15.


36 عرض