التربية على حقوق الإنسان



الدكتورة ميرفت صالح أبو صلاح، أصول تربية، الأردن


للتربية والتعليم دور أساسي في تغيير عقول الأفراد وتصرفاتهم، لهذا لا يمكن التغاضي عن أهمية دور التعليم في عمومه ودوره الخاص في مجال التربية على حقوق الإنسان، ولن تكون حماية وضمان الحقوق فعلية، إن لم يطالب الأفراد بها بطريقة ملحة وواقعية ، ولا يمكن الدفاع عنها أو استخدامها، إن لم يعرفها الأفراد ويتوصلوا للوسائل الكفيلة بصونها واحترامها، فالتربية على حقوق الإنسان مساهمة أساسية في الحماية المستمرة من أي انتهاكات لحقوق الإنسان ، واستثمار مهم صوب إقامة مجتمع يحظى فيه الأفراد بالاحترام وحفظ الكرامة والحريات.


لقد تم إعلان التربية على حقوق الإنسان كضرورة حتمية لتعزيز وتحقيق علاقات مستقرة ومنسجمة بين المجتمعات المحلية ولترسيخ التفاهم المتبادل والتسامح والسلام، وذلك العام 1993، ضمن فعاليات المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، وفي عام 1994، تبنت الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة، خطة عشرية للتربية على حقوق الإنسان من عام 1995-2004، وحثّت الأعضاء على تعزيز التدريب ونشر ثقافة حقوقية عالمية ( www. hrinfo. org). وبناء على هذه التوصيات والمستحدثات التي حصلت فقد خرجت منظمات وهيئات معنية بحقوق الإنسان بالعديد من التعريفات التي تضمنت جوهر وماهية التربية على حقوق الإنسان، ومن هذه التعريفات، تعريف ميثاق مجلس أوروبا عام 2010 للتربية على المواطنة الديمقراطية وحقوق الإنسان الذي رأى أنها تربية ترتبط بالتدريب ونشر الوعي والمعلومات والممارسات والأنشطة التي تهدف إلى تمكين المتعلمين من المساهمة في بناء ثقافة عالمية لحقوق الإنسان في المجتمع وتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، عن طريق دعم المتعلمين بالمهارات والمعارف والاتجاهات (2010،CM/Rec). وتعرفها منظمة العفو الدولية بأنها عملية تعرف الناس إلى حقوقهم وحقوق الآخرين ضمن إطار تعلم تشاركي وتفاعلي ( منظمة العفو الدولية، 2004). بينما يشير مركز آسيا والمحيط الهادي الإقليمي لها، من منظور العلاقة بين حقوق الإنسان وحياة الناس العاملين في التربية على حقوق الإنسان، ويقول أنها عملية تشاركية تحوي مجموعة من الأنشطة التعليمية المصممة بغرض إيصال المعلومات وتعميق المعرفة بحقوق الإنسان، وترسيخ القيم والمهارات كمحتوى يستهدف الأفراد (www.hrinfo. org).


ويعرّفها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بأنها التربية والتدريب والمعلومات التي تهدف بناء ثقافة عالمية لحقوق الإنسان، فالتربية الشاملة لحقوق الإنسان لا تسعى لتقديم المعرفة حول حقوق الإنسان وبيان أساليب حمايتها وضمانها وحسب، بل وتعمل على تمرير المهارات اللازمة لتعزيز والدفاع عن حقوق الإنسان وتطبيقها في الحياة، وتعزيز المواقف والسلوكيات اللازمة لدعم حقوق الإنسان لجميع الأفراد (منظمة الامم المتحدة ،2005 ).

أما الحركة الشعبية لتعلّم حقوق الإنسان، تفضّل تعلّم حقوق الإنسان على التربية على هذه الحقوق، وتركز بشكل كبيرعلى حقوق الإنسان كأسلوب حياة، ويقصدون بالتعلم أن تُستمدّ التربية على هذه الحقوق من العملية الفردية لاكتشاف حقوق الإنسان، وأن يتم تطبيقها في الحياة اليومية للأفراد ( www. hrinfo. org).

إن التربية على حقوق وقيم ومبادئ حقوق الإنسان تمثل مشروع تربوي لتمكين الناس من الإحاطة بالمعارف الأساسية اللازمة لجعلهم يرفضون أشكال القمع والعبودية والظلم والاضطهاد، وتعزيز شعورهم بالمسؤولية تجاه حقوقهم وحقوق غيرهم ، مع مراعاة المصلحة الفردية دون مساس بالمصالح العامة، وتقوم على تعرف المتعلمين من خلالها على حقوقهم وحقوق الآخرين ضمن إطار من التعلم الذي يقوم على المشاركة والتفاعل المتبادل، والتركيز على تغيير المواقف والسلوك وتعلم مهارات جديدة وتعزيز تبادل المعارف والخبرات.


فهي عملية طويلة الأجل ، تهدف إلى إيجاد فهم عميق بحقوق الإنسان وقضاياها، وإكساب الأشخاص المهارات للتعبير عن حقوقهم ونقل هذه المعرفة إلى الآخرين (الأمم المتحدة، 1989) ، وتسعى للإلمام بجوانب مهمة، تكون جوهرها وتقوم عليها أسسها ، من مثل الاعتراف بشمولية وتكامل حقوق الإنسان وأنها غير قابلة للتجزئة ، والاهتمام بزيادة ثقافة حقوق الإنسان واستيعابها، وتمكين الأشخاص من المطالبة بحقوقهم قانونيا وإنسانيا، وتسهيل استخدام المواثيق والآليات القانونية للأفراد، من باب تسهيل حماية حقوقهم، واستخدام منهجية التفاعل والمشاركة لتكوين مواقف أساسها احترام حقوق الآخر، وتطويرالمهارات اللازمة للدفاع عن حقوق الإنسان ودمجها في الحياة، وإيجاد مجال للحوار والتغيير، وتشجيع الاحترام والتسامح (www.unrwa.org).


إذا هي ليست تربية معرفية فحسب، بل هي تربية قيمية، تهتم بالجانب المعرفي وتتوجه في مقاصدها النهائية إلى السلوك، فيكون المحتوى المعرفي مدخلا أساسيا للمرور إلى قناعات الفرد وسلوكياته، ولا تكتفي بحشد الذهن بمعلومات حول الكرامة والحرية والمساواة والاختلاف، بل تركز على ضرورة ممارسة المتعلم لحقوقه، وايمانه بها وجدانيا، واعترافه بها واحترامه لها كمبدأ من المبادئ السامية، فهي ليست تربية معارف للتعلم وحسب، بل تربية قيم للحياة، الهدف منها لا أن يتعلم الطلبة حقوق الإنسان نظريا، وإنما ممارستها في تعليمهم حتى تكون لها أكبر فائدة عملية في حياتهم (الحريري، 2006).


إن هذه الدعوات والتوجهات التي تدعو لتعزيز حقوق الإنسان من داخل العملية التعليمية، وفي إطار الممارسة التربوية، اتجاهات لا تقصد تعليم معارف وتصورات حول حقوق الإنسان للأطفال والمتعلمين، بقدر ما تسعى لتأسيس القيم التي ترتبط بالحقوق ، ونشر ثقافة واقعية لها ، ثقافة مضمونها القيم والبنى الذهنية والسلوكيات والمواقف، والتراث الثقافي والتقاليد التي تتناغم مع مبادئ حقوق الإنسان، فتضحي الثقافة عملية متواصلة وشاملة تعم الحياة بكافة أشكالها ومناحيها، وشاملة لأوجه الممارسات الشخصية والمهنية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وهدفها تآزر المعرفة والممارسة، وغرس الإحساس بالكرامة والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، مما سينتج مجتمعا روابطه الاحترام المتبادل والمساعدة الجماعية والتأقلم مع المصالح العامة، والقبول بالعمل مع الآخر، للتوصل لصياغات مناسبة ومتجددة تحقق توازن المصالح والعمل المشترك ، بلا حاجة لسطوة العنف الذي يصادر حريات الناس (مركز القاهرة ، 2000).


إن تدريس حقوق الإنسان يقوم في مضمونه على وضع أسس لهذه الحقوق كقيم متشربة على مستويات الوعي والوجدان والمشاعر، وكسلوكات عملية قابلة للممارسة الفعلية ويبدأ هذا التعليم القيمي السلوكي من غرفة الصف والبيئة المدرسية، ويعززه الفضاء المجتمعي العام في البيت، في الشارع مع مختلف الفئات الاجتماعية ، مما سيتيح مجالا بالضرورة لاستنتاج أن التربية على حقوق الإنسان تسعى لتكوين المواطن المتشرب لقيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، القادر على ممارستها في سلوكه اليومي، الحريص على حقوق ومصالح المجتمع بقدر حرصه على حقوقه (فلاورز،2000).


وقد اكتسبت هذه التربية خصائص ميزتها عن غيرها من العمليات التربوية، فهي تربية إنسانية، تتجه إلى توعية الإنسان بحقوقه، وتعزيزها باعتبارها أساس الماهية الحقيقية والأصلية للإنسان، فهي جوهر وجود الذات الإنسانية، وتربية من أجل الإنسان، من أجل ما يضمن له تحقيق ماهيته وجوهره (الجابري، 1989)، وهي تربية تنويرية عقلانية تصدر عن نزعة تنويرية عقلانية ، تسعى لترسيخ وتأسيس خطابها الإنساني المبني على مفاهيم الذات والعقل، والحرية والتسامح والاختلاف والكرامة والمساواة، وتعبر عن فكر تحرري، ينطلق من ذات الإنسان ككائن عاقل، ويقصد منه تنوير الأفكار والأذهان والسلوكات والعلاقات( أوديجيه، 1998).


وهي تربية نقدية ذات بعد نقدي، تميل لإعادة النظر في مختلف القيم والمبادئ والسلوكات التي تتنافى مع حقوق الأفراد، وتعيق ممارسة الحقوق واحترامها، فهي تربية تسعى لإحداث تغييرعميق في الممارسات التقليدية للتعليم، وفي أساليب التفكير (وزارة التربية الوطنبة المغربية، 1998)، وهي ذات أبعاد حديثة تتضمن مبدأ انفتاح شخصية المتعلم على محيطه المعاش، وتسعى لإيجاد مواطن مؤمن بقيم حقوق الإنسان، يحترمها ويعترف بحقوق الآخرين، ويرفض ما يعاكسها ويتنافى مع وجودها وصونها ، ويسعى لممارسة السلوكات التي تطبقها واقعيا دون المساس بحقوق غيره ( المؤتمر الدولي للتربية ،1995).


وهي أيضا تربية قيمية سلوكية بتعزيزها لقيم ومبادئ الثقافة الحقوقية الإنسانية، وتوجهها لتعليم سلوكات تؤسسها تلك القيم، فهي تتوجه بخطابها وممارساتها لمخاطبة الإنسان ككائن ممارس للسلوكات العملية لا كائن مفكر بشكل تنظيري وحسب ( البلعاوي ،2001).


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المصدر


39 عرض