التربية الأخلاقية ضرورة اجتماعية

الدكتورة إسراء عبدالله صالح محمد، الأردن

منذ الأزل والانسان يقدر قيمة الأخلاق، بل إنه فطر عليها، وعرف قيمتها كونه انسان عاقل يحكم على الامور بعقلانية، ولا ينحني نحو الغرائز والشهوات. إن المتأمل لوضع الحياة البشرية منذ بدء الخليقة، وعلى مر العصور والأزمان، يجد أن للأخلاق دور كبير في التنظيمات البشرية، حتى وإن اختلفت من جماعة الى أخرى؛ كونها قيم نسبية تختلف باختلاف الحضارات، والبعد الثقافي لكل مجتمع. وقد أشار النجيحي (2008) إلى أن الحياة الاجتماعية تقوم على التعامل والسلوك مع الآخرين؛ مما اقتضى الأمر بوجود قواعد وأنماط تحدد السلوك الذي ترتضيه المجتمعات لأفرادها وفق ما تم التعارف عليه فيما بينها، وبما ترتكز عليه أفكارها ومعتقداتها، الأمر الذي اقتضى الى التمييز بين الحسن والسيء، والصالح والضار، وبناء عليه يتم الحكم على سلوك الانسان بالخير والشر. وبما أننا نعيش في عالم مليء بالصراعات، وتطغى عليه المادة المتأصلة بأسس البقاء، وحيث أن الكثير من المجتمعات الغربية تبنت مفهوم المنفعة الشخصية وجعلت اللذة الفردية هي الموجه الأساسي لسلوك الفرد، لذلك غلبت القيم المادية على العلاقات الفردية، وسادت القيم الاستهلاكية، وشاعت بعض الأزمات كالعزلة الاجتماعية، وحلت الفردية مكان الجماعية (عرسان، 2001)، وفي ظل الانفتاح الكبير الذي تشهده المجتمعات الحديثة؛ بسبب تطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال والانترنت والثورة المعلوماتية، والذي تخطى حواجز الزمان والمكان، أصبح العالم كقرية صغيرة، وبات من اليسير لنا الانفتاح على المجتمعات الأخرى، مما جعل المفرزات الثقافية الغربية تتدفق الى المجتمعات العربية والاسلامية بغزارة، وقد طالت آثارها ثقافات الشعوب، وأثرت في قيمها وعاداتها، والتي كانت الى عهد قريب عوالم يكتنفها المثل والعادات والتقاليد؛ فأصبحت تنتزع شيئا فشيئا، وأصبح بدوره يفتك بالنسيج الاجتماعي ويهدد كيانه، دون الادراك الواعي الى خطورة ما يواجهه أبناؤنا بالانغماس بهذه الثقافات وتقبلها بشكل ملحوظ، ونشهد ذلك من خلال عولمة العقول، مما أدت هذه الثورات الى انعكاسات اجتماعية وأسرية وأخلاقية؛ جعلهم يعيشون ضربا من التناقض بين ما ورثوه من عادات وتقاليد مجتمعهم، وما اعتادوا عليه من قيم أخلاقية وإسلامية، وبين ما يتم من ممارسات لا تمت للأخلاق بصلة، أضحت تمتزج مع ثقافتنا مكونة قالبا يسوده الكثير من الشوائب، وساهم في تفشي الانحلال الأخلاقي وممارسة سلوكات غير مرغوب بها، وأصبح مجتمعنا وقيمنا في خطر. ومن الملاحظ لوضع المجتمعات في الآونة الأخيرة، يرصد بوضوح مدى التغير في المعايير الأخلاقية، ويجد أن البعد عن قيمنا الدينية سهل الخروج عن قيمنا الأخلاقية؛ الأمر الذي أفرز الكثير من الأزمات الأخلاقية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، حيث وجدت نفسها أمام أمراض خطيرة من الأزمات الاخلاقية التي تهدد كيانها، وموروثاتها الثقافية، وأبرز ما نلحظه اليوم هو ازدياد الجرائم والانحرافات السلوكية بشتى أشكالها وصورها، والتي تعد ضربا من الشذوذ، والتي أصبح من الصعب على مجتمعاتنا التغاضي عنها، كحوادث القتل والسرقة والاغتصاب وغيرها .. فلابد إذن من السعي الى الاصلاح الأخلاقي لدى الافراد في كل مجتمع وجعلها من الأولويات، خاصة أن تقدم المجتمعات واستمراريتها مرتبط بعظم الأخلاق، فضلا عن أنها فريضة شرعية، وفطرة انسانية. وهذا ما أشار اليه ناصر(2006) أن بعض فلاسفة التربية كأمثال "كانت" يرى أن سلوك الانسان يجب أن يقوم على المباديء التجريبية أو العقلية، وينبغي أن لا تسيطر الشهوات على سلوكه وأفعاله، بل يجب أن يكون الانسان متوازنا في طرفي المعادلة الفكرية والعقلية وأن لا ينساق وراء غرائزه ليضمن النجاة ويعصم المجتمع من الهلاك والفتن. من هذا المنطلق على صانعي القرار الانتباه الى هذا الامر، وأخذه على محمل الجدية، والتخطيط الفعال لبلورة وتجسيد هذه القيم على أرض الواقع، وذلك بالتركيز على دور التنشئة الاجتماعية لتعزيز القيم، والسلوكات الأخلاقية لدى أفرادها، وخاصة دور الأسرة والمدرسة ودور العبادة. لذلك أجد أن الأسرة هي المسؤولة الاولى عن غرس القيم الاخلاقية لدى أبنائها، وإن غياب الأهل عن القيام بدورهم، وسوء المعاملة الوالدية كاستخدام العنف الجسدي، أو المعنوي مع الابناء، أو التهاون والتفريط في دلالهم؛ كل ذلك من شأنه أن يسبب مشكلات، وأزمات اجتماعية على المدى البعيد، ولا ننسى بعض الممارسات الخاطئة مثل ازدواجية القيم عند بعض الآباء ساهم في نشوء أزمات كثيرة؛ فعلى سبيل المثال نرى آباء ينهون أبناءهم عن بعض الممارسات وهم يأتون بمثلها وهو ما يسمى اليوم "بأزمة الأقنعة"، والذي يفسر تضارب مواقف الأبناء بحسب الموقف أو المصلحة. كما يقتضي التنويه على أن دور التربية لا يقل أهمية ؛ كونها وسيلة المجتمع في المحافظة على قيمها عبر الأجيال المتعاقبة، وهي المسؤولة عن اكتساب الفرد لقيمه الأساسية، والدعامة الأولى لبناء شخصيته، لذلك أجد أن دور الجامعات والمدارس وغيرها من المؤسسات التعليمية لا يقتصرعلى الناحية الفكرية فقط، وإنما تتعدى الى الاهتمام بالأخلاق والفضيلة، وإحياء الضمير الانساني، واستشعار المسؤولية الفردية، وتفعيل الرقابة المستمرة على الكثير من الممارسات اللاأخلاقية، أو من خلال تسليط الضوء على العقوبات التي تلحق بكل من يتهاون أو يتجاوز قمنا الأخلاقية والدينية. وفي خضم الأحداث المتلاحقة التي يشهدها مجتمعنا الأردني في الآونة الأخيرة؛ تبرز بشكل ملحوظ ما آلت اليه من ظروف صعبة، وأعطي على سبيل المثال جائحة كورونا التي انعكست سلبا على الظروف التي تعيشها المجتمعات بشكل عام، ومجتمعنا بشكل خاص، ومع تزايد الأعداد المصابة أصبح هناك ظروفا استثنائية يعيشها مجتمعنا أثر على اقتصاد الوطن، فزادت من أعباء الفقر وزادت نسب البطالة، وخاصة للأسر ذوي الدخل المتدني؛ مما زين لبعض النفوس المريضة القيام ببعض الممارسات اللاخلاقية، والتي تعتبر من الممارسات الغريبة والشاذة على مجتمعنا، وذلك من خلال القيام بعمليات القتل والتسبب للآخرين بالعاهات المستديمة، أو أكل أموال الناس بغير حق؛ كفرض الأتاوات، وارغام الناس على دفع قوت يومهم للإبقاء على حياتهم، وعمليات النصب والاحتيال بشتى أشكالها، كما أن مبدأ احترام سيادة القانون بات أمرا مقلقا في الوقت الحاضر؛ لما نراه من تجاوزات عديدة تحصل وبشكل مستمر، وخاصة عندما نرى أن تلك التجاوزات تحدث على الصعيد الفردي والجماعي أيضا؛ كقيام البعض بإطلاق العيارات النارية في الاحتفالات وهي ظاهرة قديمة حديثة كما نعلم متجاوزين كل التحذيرات بعمق خطرها، أو قيام البعض الآخر بالتعدي على الآخرين بالسب والشتم والقذف دون أدنى رادع، وما نراه من ممارسات خاطئة في الطرق العامة من رمي للنفايات أو العبث بالمرافق العامة وتخريبها، أضف الى ذلك التعدي الواضح على الكوادر الطبية والتعليمية بالقول أو الفعل، وغيرها من الممارسات التي يصعب حصرها، ومع أن أجهزتنا الأمنية والقضائية تقوم بدورها على أكمل وجه في ملاحقة تلك الفئة، وإنزال العقوبة الرادعة بهم- وهذا برأي لا يعد كافيا- حيث يجب أن تتضافر جهود جميع المؤسسات المجتمعية، وعلى رأسها المؤسسات التعليمية بجميع كوادرها بالعمل الى إعادة المنظومة الأخلاقية الى دائرة التطبيق، والعمل على تقويم السلوكات والممارسات الخاطئة، وغرس القيم والفضائل في أبنائنا بشتى الأساليب والطرق التي ترتئيها، واستثمار التطور التكنولوجي والتقني في عرض قصص وندوات وحلقات تحث على التحلي بالاخلاق، والتنويع باستراتيجيات التدريس، واستخدام أساليب تربوية حديثة في إكساب الأفراد القيم الأخلاقية، ومستويات السلوك المرغوب فيه، وتضمين المناهج مواد تحث على الأخلاق والفضيلة؛ لتنمية الإدراك الخلقي لديهم، وإكسابهم مهارات التحليل الناقد للقيم، ومغزاها الاجتماعي في سلوك الأفراد. ولا ننسى دور العبادة فعليها يقع العبء في تذكير الأفراد بقيم ديننا الحنيف والالتزام بأوامر الله تعالى، والابتعاد عن نواهيه؛ حتى ننعم بالسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، فهي المسؤولة عن بناء هرم الإصلاح الأخلاقي في حياة الأفراد والمجتمعات ، وبدونها لأصبح المجتمع عاريا عن فضائلة وقيمه، ولنا في رسول الله إسوة حسنة، وصدق الله تعالى حينما وصف رسوله عليه أشرف الصلاة والسلام بقوله تعالى:"وإنك لعلى خلق عظيم" القلم: آية 4 وعليه نستطيع القول أن التربية الأخلاقية ضرورة اجتماعية ومجتمعية؛ لما لها من دور فعال في تقوية الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وتعزيز التواصل بينهم على أسس من المحبة والمودة والبعد عن الأضغان والنزاعات، وكما يظهر دورها جليا في تحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي والفكري للفرد، وتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع ككل. *يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

المراجع سورة القلم، الآية: 4 عرسان، ماجد (2001). فلسفة التربية الإسلامية، عمان: دار الوراق للنشر والتوزيع ناصر، ابراهيم (2006). التربية الأخلاقية، عمان: دار وائل للطباعة والنشر النجيحي، محمد(2008). في الفكر التربوي، بيروت: دار النهضة للنشر والتوزيع

7 عرض