الاسرة والتنشئة الإجتماعية

د. صالح حرب الرقب، أ.د. محمد صايل الزيود


تعتبر التنشئة الاجتماعية عملية تربوية بالغة الأهمية في حياة الإنسان والمجتمع نظرا لدورها في نقل الإنسان إلى العالم الإجتماعي والتفاعل والتواصل بإستخدام أدوات مجتمعه التربوية، ذلك ان الإنسان وعند وصوله لهذه الدنيا تنحصر قدراته بالقيام بعمليات بيولوجية خالصة تضمن له العيش والنمو بصوره طبيعية، مع وجود قابلية كبيرة لتعلم الأدوار واكتساب المعايير والتقاليد و التكيف والتأقلم. فالعملية التي تنقل الطفل من عالم العادات البيولوجية والآلية إلى عالم له تقاليده ومعاييره الخاصة، يطلق عليها التنشئة الاجتماعية. والتي تعتبر وسيلة لنقل الثقافة والحضارة من جيل إلى جيل، لكي تحفظ بقاء المجتمع وترسم شخصيته وتحدد هويته ومستقبله. وبما أن التنشئة الاجتماعية عملية مجتمعية، لا تتم إلا ضمن إطار اجتماعي، فإن جميع مؤسسات المجتمع تتفاعل من أجل القيام بهذه العملية، بدءاً من الأسرة التي تستقبل المولود الجديد منذ قدومه إلى الحياة، ومروراً بمؤسسات كثيرة كالمدرسة وجماعة الرفاق ودور العبادة ووسائل الإعلام. وتُعَدُّ الأسرة بصفتها إحدى المؤسسات التي تقوم بعملية التنشئة الاجتماعية، الوعاء الثقافي الأول الذي يشكل حياة الفرد ويحدد شخصيته وأسلوب تفكيره، فهي من خلال عملية التنشئة الاجتماعية توضح معالم المثل العليا للفرد باعتبارها أهم جماعة مرجعية تحدد الفكر والسلوك، وهي في ذات الوقت الجماعة الأولية التي تحدد الأنماط الثقافية والاتجاهات السلوكية والممارسات الاجتماعية، وتعمل على نقل الثقافة بما تتضمنها من قيم ومعايير وسلوك وأفكار وعقائد، كما تحدد الأسرة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد وتغرس فيه مستويات الطموح والإحباط على السواء. (أحمد وآخرون، 1995 ).


وهناك علاقات سببية مؤثرة بين الأنماط الوالدية في التنشئة وسلوك أطفالهم، كونها لا تتم بمعزل عن الواقع الذي توجد فيه، وبالإضافة إلى ذلك، فان المشاهدات الحياتية توضح أن شخصيات الأطفال ما هي إلا حصيلة لأثر خبرات الطفولة التي مروا بها. ولما كانت أساليب التنشئة وخبرات الطفولة مختلفة، فإن شخصيات الأطفال تتنوع وتختلف من طفل إلى آخر، فأحياناً يشاهد بعض الأطفال الذين يتمتعون باستقلاليتهم وقدرتهم على الاعتماد على الذات، وفي المقابل هناك أطفال يفتقدون لهذه الصفات، بحيث يكونون مغرقين في اتكاليتهم وعجزهم وانسحابهم المتكرر من مواجهة مواقف الحياة المختلفة.


إن التنشئة الأسرية المثلى هي التي تستطيع أن تحقق إشباع حاجات الطفل في إطار من الأمن، وذلك بالتزام جانب المرونة والاعتدال في فرض النظام عليه، والبعد عن التزمت والتشدد معه؛ فالطفل ليس قطعه من صلصال تشكله الضغوط الخارجية دون أن يستجيب لها أو يتفاعل معها. فالعامل الجوهري الفعال هنا، هو موقف الوالدين واتجاهاتهما نحوه، عندما يكافئان نجاحه بالاستحسان والاحترام الصادق، ويغدقان عليه المحبة والحنان، دون تقلب أو تذبذب (حمود،2004).

وإذا كانت الأسرة من خلال دورها، كأهم وسيط من وسائط التنشئة تسهم في تشكيل سلوك الأبناء، فإنه لا يمكن إنكار دور المناخ الاجتماعي الذي تعيش فيه الأسرة سواء أكان مجتمعاً محليا أو مجاورة سكنية وما يتسم به من بعض الصفات والخصائص التي تميزه عن غيره من سائر المجتمعات، والتي يكون لها –في اعتقاد الباحث – تأثير لا يقل أهمية عن دور الأسرة على أفرادها بمعنى أن المناخ الاجتماعي يسهم بما لا يدعو للشك في تبنى أساليب معينة في التنشئة الاجتماعية تختلف من مكان لآخر باختلاف ثقافة المجتمع إلى جانب المستوى التعليمي وثقافة الوالدين وعوامل أخرى خارج وداخل الأسرة. في ظل هذا التنوع في تناول التنشئة الاجتماعية فقد اختلفت الزوايا التي ينظر منها العلماء والباحثون إلى مصطلح التنشئة الاجتماعية أثناء تناولهم لموضوع التنشئة الاجتماعية، فيرى النجيحي (1989). أن التنشئة الاجتماعية عملية تكيف الفرد مع الظروف والمواقف التي يحددها المجتمع الذي يكون عضواً فيه.


وأشار بارسونز (1965, Parsons) إلى أن التنشئة الاجتماعية عملية تعتمد على التلقين والمحاكاة والتوحد مع الأنماط العقلية والعاطفية والأخلاقية عند الطفل والراشد، وهي عملية دمج عناصر الثقافة في نسق الشخصية بالإضافة إلى أنها عملية مستمرة. ويعرفها هذرينجتون وبارك (1993) Hetherington and Parke بأنها العملية التي يتم فيها تعليم أفراد جدد في المجتمع، قواعد وقوانين اللعب الاجتماعي، حيث تحاول مؤسسات التطبيع الاجتماعي المختلفة مساعدة الأفراد الجدد، وتبني القوانين والقواعد التي تساعدهم على اللعب بالطريقة نفسها التي يلعبون بها. أما ناصر (2004 ) فيرى أن التنشئة " هي تربية الفرد وتعليمه، وتوجيهه، وتثقيفة، وتلقينه لغة الجماعة التي ينتمي إليها، وسنن حياتها، والخضوع لمعاييرها وقيمها والرضا بأحكامها، والتطبع بطباع الجماعة المحيطة، وتمثل السلوك العام والخاص بالجماعة التي يعيش بينها، وممارسة ما توارثوه وأدخلوه إلى ثقافتهم الأصلية من وسائل جديدة، أُخذت أو استُعيرت وكُيّفت لثقافتهم، وما توصلوا إليه من حضارة، وتقدم وتطور، والاستجابة للمؤثرات الخاصة بهم، والرضا بأحكامهم، والسير ضمن الإطار الذي يرضونه، للوصول إلى الأهداف التي يريدونها، وهكذا يتطبع الفرد بطباعهم، ويفكر مثلهم، ويشعر بشعورهم، ويحس بإحساسهم ويسلك مسلكهم، فنقول: إنه اندمج معهم، وأصبح واحداً منهم ". وينظر كل من الكن وهاندل (1987, Elkin and Ghandle )، إليها على أنها تعلم الفرد القدرة على التعامل مع مجتمعه أو بيئته الاجتماعية. ومن خلال استعراض التعاريف السابقة التي تناولت مفهوم التنشئة الاجتماعية، يتضح بأن معظم المحاولات التي تطرقت لتعريفه، نظرت إلى هذه العملية على أنها إما عملية تكيف أو عملية تحويل الإنسان من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي، أو أنها عملية متعلمة ومكتسبة ومستمرة، وتسعى لدمج عناصر الثقافة في نسق الشخصية بهدف تشكيل الفرد.


وهكذا يمكن اعتبار التنشئة الاجتماعية بأنها تلك العملية التي يتحول الفرد خلالها من طفل يعتمد على غيره، ويتمركز حول ذاته، لا يهدف في حياته إلا إلى إشباع حاجاته البيولوجية، ولا يستطيع إرجاء إشباع حاجاته حين يشعر بالدافع إلى الإشباع، إلى فرد ناضج يدرك معنى المسؤولية وكيف يتحملها، ويعرف معنى الفردية والاستقلال، يسلك معتمداً على ذاته اعتماداً نسبياً، فرد لا يخضع في سلوكه إلى حاجاته البيولوجية ويستطيع أن يضبط انفعالاته ويتحكم في إشباع حاجاته، فيرجئ إشباع تلك الحاجات التي يقضي الموقف إرجاءها ويقمع التي يرفض المجتمع إشباعها، ويدرك قيم المجتمع ومعاييره على المستوى المعرفي والانفعالي فيلتزم بها، ويكون قادراً على إنشاء علاقات اجتماعية مع الآخرين، فيستمتع بها ويمتع بها الآخرين ( سلامة وآخرون ، 1977) .


وفي الحقيقة لا بد من التأكيد على أن التنشئة الاجتماعية يجب أن تتضمن التفاعل الذي يعني التأثر والتأثير. فليست الغاية من التنشئة خلق شخصيات تكون نسخاً كربونية طبق الأصل عن الكبار الذين ينشئونها ولا إيجاد شخصيات تعيد تكرار الواقع الذي نعيش فيه, فكثيراً ما تعالت الصيحات التي تدعوا إلى تغيير الواقع والثورة عليه, وبما أن الفرد هو صانع التغيير، ولا يولد مزوداً بهذه القدرات فإنه بحاجة إلى تنشئة اجتماعية تزوده بتلك القدرة على صنع التغيير. ولذا ينبغي أن تسعى التنشئة الاجتماعية إلى تزويد الفرد بالأطر الاجتماعية والثقافية العامة للمجتمع الذي ينتمي إليه، مما يجعله متصفاً بالملامح الأساسية التي تميز هذا المجتمع عن غيره، وبحيث تتاح له حرية التحرك داخل هذه الأطر من أجل القيام بالتغيير اللازم الذي ينشده المجتمع للوصول إلى الأفضل، وليبقى مواكباً وصانعاً للتغيرات التي تحدث. فقد تغيرت النظرة التقليدية التي كانت تعتبر الطفل مادة خام، نشكلها كيفما نشاء، أو صفحة بيضاء يخط عليها المجتمع ووكالاته ما يريد من الخطوط والأشكال والألوان الثقافية. فقديماً كان يُنظر إلى الطفل على أنه كائن متلقّف، يخضع لعملية تنميط فاترة. إلا أن دراسة حالة المجتمعات المعقدة، تثبت أن عملية التنشئة الاجتماعية إنما هي عملية تفاعل وتواصل غني ومتعدد الجوانب ما بين المجتمع والطفل. إنها عملية تواصل في اتجاهين من المجتمع إلى الطفل وبالعكس منه إلى المجتمع ، وكما أن للمجتمع غاياته التي يريد تحقيقها في تنشئة أبنائه كذلك فإن للطفل دوافعه وحاجاته للانخراط في عملية التفاعل هذه، ولا مبالغة في القول بأن نشاط الطفل في عملية التنشئة الاجتماعية يَعْدُل نشاط المجتمع ذاته ، فالطفل ليس كائناً بيولوجياً مغلقاً على ذاته ينتظر فعل الوسائط الخارجية لإخراجه من عزلته وفرديته، بل هو منذ البداية كائن يثير التفاعل في محيطه، وهو يتمتع فطرياً بشهية للتفاعل والتواصل والانتماء والاندماج تثير المحيط من حوله. وبقدر ما يكون هذا المحيط متحفزاً ومتجاوباً مع الطفل، ويقدم له المثيرات الملائمة ، تزداد فرص غنى وارتقاء التفاعل الاجتماعي وتترسخ عملية التنشئة ( المكتب التنفيذي ، 1994).


وتتأثر التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها الأسرة بعدد من العوامل والمتغيرات المتشابكة والمتداخلة، والتي لها انعكاساتها السلبية والإيجابية؛ فالأسرة كنظام اجتماعي تتأثر بالنظم الاجتماعية المختلفة وتؤثر فيها.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.

المصدر

24 عرض