الإدارة المدرسية و تنمية الأمن الفكري!

فخرية بنت حمد بن سيف المعمري راشد بن سليمان الفهدي

عبد الله بن مبارك الشنفري ياسر فتحي الهنداوي المهدي


تعد المدرسة من المؤسسات التعليمية المهمة؛ فهي مؤسسة اجتماعية أوجدها المجتمع بفعل غزارة التراث الثقافي وتراكمه وتعقده لتقوم بتنشئة أبنائه، وتربيتهم تربية مقصودة، إذ إن التربية الحديثة تنظر إلى الفرد بشكل متكامل؛ لذلك فهي تأخذ في اعتبارها تنمية شخصيته وتربيته نفسيّاء وانفعاليًا ومعرفيًا وأخلاقيًا بشكل متكامل ومتوازن (عابدين،2011) إن تنمية شسخصية الطالب من جميع جوانبها النفسية والوجدّانية والعقلية والفكرية وكيفية تعزيز وحماية أفكاره من أية مهددات من الأهداف المؤمل تحقيقها من قبل الإدارة المدرسية، فلم يَعْد هدف الإدارة المدرسية مجرد المحافظة على النظام وتنفيذ الأعمال الإدارية والمدرسية الروتينية المتعارف عليها بل أصبح من أهم اهتماماتها الطالب، وتوفير كافة الظروف والإمكانات التي تساعد على نموه العقلي والفكري والجسدي والروحي بشكل سليم (خوالدة، 2004). وبما أن طلبة المدارس لهم خصائص مميزة في كل مرحلة عمرية ودراسية، ولا سيما الطلبة في الصفوف العليا فهي تُعد بداية التحول الفكري وتكوين الاتجاهات والقيم، والتدرج نحو النضج وما يتخللها من تساؤلات ومشكلات، وبالتالي فهم يحتاجون إلى من ينمي فكرهم وينظم سلوكياتهم وعواطفهم؛ على أساس عدة مقومات ومرتكزات متمثلة في أبعاد الأمن الفكري المتعددة (البعد الديني و البعد الوطني، و بعد الحوار وتقبل الرأي الآخر و بعد التفكير الناقد)، وملاءمتها للتحديات المعاصرة التي إن تم توظيفها من قبل الإدارة المدرسية؛ فسيؤدي إلى تنمية الأمن الفكري للطلبة والمحافظة عليه (العتيبي،2008)

و(الفريدي. 2016).


وعليه؛ فإن للأمن الفكري أهمية كبيرة في حياة الطلبة، ولا بد من توفره وتنميته من قبل الإدارة المدرسية وذلك لعدة أسباب، منها: أن الأمن الفكري يعد أحد مكونات الأمن بصفة عامة لديهم، بل هو أهمها وأساسها ويرجع النظر إلى الأمن الفكري على أنه هو أسمى أنواع الآمن؛ لتعلقه بالمحافظة على الدين وبما يملكونه من معتقدات كما أنه يرتبط بالعقل، والعقل هو آلة الفكر وأداة التأمل والتفكرو الذي هو أساس استخراج المعارف وبناء الحضارات. ولذلك كانت المحافظة على الفكر وحمايته من المفسدات ضرورة من ضرورات الاستمرار في الحياة وضرورة المحافظة على فكرهم من كل ما يؤثر عليه حسيًا ومعنويًا (الزهراني،2011).


ومن أهمية الأمن الفكري استقامة المعتقد و سلامته من الانحراف أو البعد عن المنهج الحق ووسطية الإسلام، لذلك فإن الإخلال بالأمن الفكري يؤدي إلى تفرق الأمم: شيعًا وأحزاباه وتتنافر قلوب أبنائها ويتشتت شملها ولا يتحقق التلاحم والوحدة في الفكر والمنهج والغاية؛ إلا بتحقيق الأمن الفكري للأمة والذي يعد من أهم خصائصها. ومع غياب الأمن الفكري سيظهر خلل في الأمن في كافة فروعه. كما أن الأمن الفكري يؤدي إلى تحقيق الإبداع والتطور والنمو والحضارة في المجتمع وثقافته، ويعدٌ الأمن الفكري وتحقيقه حماية للمجتمع عامة وللشباب خاصة: ووقاية لهم من الأفكار الدخيلة الهدَّامة إذ يسهم الأمن الفكري في كيفية التصدي للجريمة وخاصةً جرائم العنف (السديس، 2005). ويجب توفر الأمن الفكري في المؤسسات التعليمية، فهو مطلبٌ مهم وجوهريٌ للتصدي لأي مهددات داخلية وخارجية تواجه الطلبة مما يجعلهم قادرين على دحض الأفكار المنحرفة، وبتحقيقه يمكن القضاء على الانحراف الفكري. وللمؤسسات التعليمية الدور المهم في تنمية الأمن الفكري من خلال المحافظة على تماسك المجتمع ووحدته وتوازنه، واحترام الطلبة وإدراك حاجتهم إلى التعلم، وضرورة إكسابهم القيم والمفاهيم الدينية الصحيحة، ومهارات تحمل المسؤولية ومهارات الثقة بالنفس (الحربي،2011).


وقد اتفق الباحثون فيه يخص أبعاد الأمن الفكري أمثال الفريدي (2016)، والصقبعي (2008)، على أبعاد الأمن الفكري الآتية:


البُعد (العقائدي) الديني، والبعد الوطني والبعد الحضاري والثقافي، بعد الحوار وتقبل الرأي الآخر وبعد التفكير الإيجابي (الناقد). البعد الديني: وتنحصر مهام الأمن الفكري الرئيسة، في بعده الديني، في توفير السلامة والسكينة والطمأنينة لجميع أفراد المجتمع ضد أي تأثير سلبي يؤثر على البناء القوي للعقيدة الإسلامية؛ لذا تعمل الشريعة الإسلامية على المحافظة على عقل الإنسان المسلم سليًما قويًا يحاكم الأمور والأفكار بموازين النقد والتمييز (الفريدي. 2016). ويتمثل دور المؤسسات التعليمية في التصدي للظواهر التي تدعو للانحراف الفكري والتطرف والغلو ورفض الآخر؛ من خلال تحديد متطلبات تنمية البعد الديني من الأمن الفكري لدى الطلبة، مع التأكيد على أن الكتاب والسنة هما مصدر التشريع للأمة الإسلامية، وأيضًا توضيح المؤسسات التعليمية للطلبة شمولية الشريعة الإسلامية لكل أنظمة الحياة وصلاحيتها لكل زمان ومكان،والعمل على ترسيخ مبدأ وسطية الأمة الإسلامية، وترسيخ مبادئ الشريعة الإسلامية القائمة على المصلحة العامة ودرء المفاسد، وضرورة الربط بين القول والعمل في العبادات والمعاملات، مع بيان السلبيات من اتباع الفتن واتباع الهوى وفساد الأفعال (العمري، 2012).


البُعد الوطني: إن حب الوطن والانتماء إليه من أهم العوامل في بناء الأمن الفكري لدى الأفراد، لأن كل من يريد أن يعبث بالأمن الفكري لأبناء الوطن كان التحدي الكبير الذي يواجهه ويعوقه هو الانتماء الوطني؛ لذا فإن تنمية الشعور بالمواطنة يعد من أهم الأبعاد التي نركز عليها لتعزيز الأمن الفكريء فالمواطنة ليست دعوات أو شعارات يطلقها الإنسان، وإنما مطلب ثمين حثت عليه جميع الأديان والأنظمة. وتسهم عدة عوامل في تعزيز الولاء الوطني كالمحافظة على كرامة المواطن واحترامه، وتحقيق متطلبات واحتياجات المواطن المادية وغبر المادية، وتقدير السلطات لمقدرات الوطن والمواطنين وإمكاناتهم العلمية والعملية، والعمل على تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي وتقوية الحس الوطني (العمري). ولضمان تعايش سليم بين مكونات المجتمع لابد من تنشيط وتفعيل دور المواطنة من خلال تطوير مناهج التعليم وتنمية روح الأنتماء. وكذلك غرس روح المواطنة بين فئة الشباب من خلال إحياء التراث الثقافي، والعمل على نشر ثقافة التسامح والمحبة ومحاربة كل أشكال الفساد. والاهتمام برفع مكانة المرأة من خلال مشاركتها في الحياة العملية والسياسية (AlMaamari & Menter, 2013).


بعد الحوار وقبول الرأي الآخر: ثقافة الحوار ركيزة أساسية من ركائز بناء أي مجتمع والنهوض به وتصطبغ ثقافة الحوار من ثقافة المجتمع ومقوماته وخصائصه، فتنسب إليه وله أرضية كبيرة في شتى مجالات الحياة، لسيادة روح المحبة ونشر الوعي في الأمور المتحاور فيها عند الناس في الفكر والأخلاق (التميمي والتميمي،2014). وما يهمنا في التربية هو أن يؤسس الطلبة على الحوار، وينشأ جيل قادر على ممارسة الحوار في حياته، وتقبل الخلاف مع الآخر دون تعصب لرأي أو فعل. فمن يتربى وينشأ على مبدأ ا حواره سيتقبل المخالف له في الرأي وسيستمع إليه بكل رضاء وسيتآثر به، فأهمية مبدأ الحوار أنه يزرع الاعتدال في نفوس الأفراد ويصحح أفكارهم ويوجههاء وإن للمؤسسات التعليمية دورًا فائق الأهمية في ترسيخ ثقافة الحوار وتعزيزها وتقبل الخلاف والاختلاف في الآراء، ويتم ذلك من خلال ما تقوم به الإدارة المدرسية من خطط وأنشطة ومتابعة تنفيذها في المواقف التعليمية الصفية واللاصفية، بما يؤدي إلى حماية الطلبة من الانحراف الفكري (الصقعبي؛ 2009).


بعد التفكير الناقد: يعد التفكير الناقد الأسلوب العلمى الأمثل لحل المشكلات اليومية التى تواجه الطلبة ومنه يتعلم الطالب فيها صنع القرارات الحاسمة؛ والتكيف مع المواقف الجديدة، ويُعرّف التفكير الناقد بأنه "مجموعة من العمليات العقلية الداخلية التي تهدف إلى حل مشكلة ماء أو اتخاذ قرار، أو البحث عن المعنى، أو الوصول إلى هدف معين (السويديء وأبو النور) و(عبد الحميد، 2005). ولمهارة التفكير الناقد اهمية باعتبارها الأساس لبقية المهارات، إذ قد نحتاج إلى إعمال كل المهارات الفرعية أو بعضها والتي تدخل ضمن التفكير الناقد الذي نشاط يقوم على مهارة التفكير المستقل باستخدام مهارات عقلية عليا من أجل تحقيق تفكير أفضل يمتاز بالوضوح والدقة والمرونة والحوارية.


وللتفكير الناقد مهارات منها: مهارات تتصل بتحديد المعلومات، ومهارات تتصل بتقويم المعلومات، تعتمد على معايير لضان صحة ومصداقية تلك المعلومات (سويد، 2007). وتعد المدرسة المؤسسة التربوية الأولى التي أنشأها المجتمع بهدف المحافظة على ثقافته، وتجديدها ونقلها من جيل لآخرء وإعداد وتنشئة الأجيال وضبطها حتى تكون قادرة على أداء الدور المنوط بهاء سواء أكان دورًا اجتماعيًا أم وطنيًا وبشكل يحقق أهداف المجتمع، ويكون ذلك بأن يتسلح الفرد بسلاح العلم والفكر الجيد والقيم الإسلامية والأخلاق الكريمة والانتماء الوطني الصادق. وللمدرسة دور في تنمية ثقافة المجتمع، بصورة ديمقراطية قائمة على ثقافة الحوار والتسامح واحترام الآخر والتي لا يمكن بناؤها في الصف المدرسي المبني على عادات التلقين والطاعة العمياء للمدرس فلابد من أن تسهم المناهج التعليمية في إعداد الطالب لمطالب عصر العولمة، ومقاومة السلبي منها والانخراط في الإيجابي. وفي عصر تفجّر وسائل تكنولوجيا المعلومات والتواصل سيحتاج الطالب لأن يكون مواكبًا لهذا التقدم المعلوماتي؛ بشكل يكون فيه فردًا عالميا محميًا من أي مهددات فكرية. وعليه يجب على الإدارة المدرسية القيام بأدوار أكثر فاعلية في تعزيز الهوية وتعميق الانتماء للمجتمع بصفة خاصة والأمة العربية والإسلامية بصفة عامة، مما يتطلب ترسيخ أن الإسلام منهج شامل للحياة في كافة مجالاتها وجوانبها مع المحافظة على أمن المجتمع من العولمة وأخطارها وسلبياتها (فخرو، 2016).


لذا تتمثل أدوار الإدارة المدرسية في تنمية الأمن الفكري في:

الدور التثقيفي الوقائي: من خلال تنسيق المحاضرات والندوات وإقامة الفعاليات الثقافية وبرامج تناسب كل مرحلة تعليمية.

الدور الرقابي: وتكون المراقبة هنا للمؤشرات الفكرية التي تطرأ على الطلبة داخل المدرسة، وعمل تقارير تقييمية لأي ظاهرة تشير للانحراف الفكري.

الدور العلاجي: من خلال قيام الإدارة المدرسية باستخلاص أهم الوسائل العلاجية لمشكلة معينة بعد الوقوف على أسبابها الحقيقية، مع استمرارية التثقيف الوقائي للطلبة (الصقعبي،2009).


ولكي تحقق الإدارة المدرسية تنمية صحيحة للأمن الفكري لدى الطلبة فعليها تقوية علاقة المدرسة بمؤسسات المجتمع المحلي باعتبار المدرسة مؤسسة اجتماعية تربوية، ولذا يتوجب عل الإدارة المدرسية تذليل الصعوبات في سبيل تنمية الأمن الفكري من خلال التواصل والتفاعل مع مؤسسات المجتمع الأخرى (الأسرة) والمسجد والإعلام (البقمي،2008).


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


المصدر






35 عرض