الآباء والأبناء والتعلم عن البعد


الدكتور أحمد الشوحة، الأردن يسعى الكثير من الآباء إلى تحقيق أهدافهم وطموحاتهم التي عجزوا عن تحقيقها من خلال أبنائهم، فتراهم – يبذلون قصارى جهدهم لتوفير البيئة التعليمية الآمنة، والإمكانات المادية لتوفير مستلزمات التعلم، والوصول بهم إلى أعلى المستويات العلمية وعلى الرغم من التشوهات التي كانت تشوب النظام التعليمي الوجاهي (داخل الغرف الصفية). إلاَّ أنَّ الآباء كان عندهم شيء من الراحة النفسية تجاه النظام التعليمي، معتقدين أن هناك أفرادًا من الأُسْرة التربوية من يتحملون معهم مسؤولية أبنائهم، ويخافون على مصلحتهم كما الآباء.

أما وإننا دخلنا في أسلوب حديث العهد من التعلم (التعلم عن بعد) لأسباب صحيَّة فرضتها جائحة كورونا. فقد أصبح هذا الأسلوب مصدر سعادة لبعض الأبناء بغيابهم عن المدرسة وعدم الالتزام بأوقات الدوام المدرسي، وعدم مواجهة المعلمين الذين بعضهم ومن وجهة نظر بعض الطلبة مصدر إحراج وسبب لمشكلاتهم النفسية، وبالمقابل كان هذا الأسلوب الجديد مصدر إزعاج وإرباك لغالبية الآباء، حينما سادت ثقافة الفوضى واللامبالاة وتدني المستوى التعليمي للأبناء، بالرغم من حصول أبنائهم على العلامات المرتفعة في الامتحانات التي تجرى لهم عبر المنصات التعليمية الإلكترونية، والتي للأسف يشترك في الإجابة عن أسئلتها بعض أفراد الأسرة، والاستعانة بالمختصين من خارج الأسرة إذا اقتضى الأمر ذلك. واجتهدت وزارة التربية والتعليم لضمان سير العملية التعليمية فقامت بإنشاء منصة (درسك) التي تم تغذيتها بآلاف الفيديوهات المصورة لشرح المقررات الدراسية فقط. علمًا بأنها لم تستخدم لإجراء التواصل والتفاعل بين الطلبة والمعلمين، فلا سبيل للحوار والمناقشة وطرح الأسئلة أو الاستفسار عن أي معلومة.

ولضمان متابعة الطلبة منصة درسك، ثم التعميم بضرورة رصد حضور وغياب الطلبة. فما كان من غالبية الطلبة إلاَّ أن قاموا بالدخول على هذهِ المنصة لتسجيل الحضور والخروج من المنزل أو الذهاب لللعب أو الطعام أو النوم، أو عملوا على توكيل أحدٍ من أفراد الأسرة ليقوم بهذهِ المهمَّة "الدقيقة والحساسة".

إن الواقع يشير الى ان الطلبة ليس لديهم الوعي والقناعة الكافية بأنّ ما يقدم لهم عبر هذه المنصّة هو استكمال لما سبق وضرورة البناء عليه في المراحل القادمة، وأن التعليم للمستقبل ولا يتوقف في مكان أو أي زمان. ومما زاد من معاناة الآباء عدم قدرتهم على متابعةِ دراسة أبنائهم لانشغالهم بأعمالهم ووظائفهم اليومية، ناهيك عن أن بعضهم قد لا يجيد القراءة والكتابة، أو لم يتابع تعليمه الجامعي الذي يؤهله نوعًا ما إلى متابعة أبنائه. مما دفع الكثيرين منهم إلى اللجوء إلى توفير الدروس الخصوصية وخاصة للمواد العلمية، مما زاد من أعباء الأسر المالية، إضافة إلى قلة أجهزة الحاسوب او الهواتف الذكية في البيت مقارنة بعدد الأبناء الطلبة أو عدمها عند بعض الأُسر. فكان ذلك مخرجًا للأبناء للتنصُّل من مسؤوليتهم، وتحميل فشلهم وإخفاقهم في متابعة دروسهم على وزارة التربية والتعليم والآباء. وقد يطرح سؤال مفاده: هل تسعى وزارة التربية والتعليم إلى ترسيخ واتقان مفهوم التعلم الذاتي أو التعليم اللامدرسي. وتتجلى الإجابة بأن تتأكد وزارة التربية والتعليم من سعي الطلبة نحو التعلم الذاتي بأن يمتلك الطلبة مهارات هذا التعلم التي جوهرها اعتماد الطلبة على أنفسهم في متابعة التحصيل العلمي ومتابعة مختلف المصادر التعليمية المتوفرة. وقد يطرح سؤال آخر: هل منصة درسك هي الحل الأوحد والأمثل أمام وزارة التربية والتعليم لاستمرارية التعليم؟ لقد قبل الطلبة واولياء الامور ذلك مع بداية جائحة كورونا المفاجئة ولكن بعد أن امتدت هذه الجائحة لفصول دراسية، فقد آن الوقت للبحث عن وسائل أخرى أكثر نجاعة لاستمرارية التعليم بإستخدام التطبيقات الحديثة والتي أصبحت وسائل هامة للتواصل على مستوى الأفراد والشركات والمؤسسات الكبرى في العالم و تتيح التفاعل بين الطلبة والمعلمين فتنشط لديهم قيم الحوار والمناقشة والتفكير والإبداع. ويشعر الطالب حينها بأنه نوعًا ما في بيئة تعليمية واقعية كما يمكن تسجيل كل لقاء ليتمكن الطلبة من العودة إليه في أي وقت يحتاجونه.

بالمحصلة فإن شعار المرحلة القادمة يجب ان يرتكز على أن التعليم للمستقبل و التعليم للجميع و التعليم مسؤولية الجميع ويجب ان تتضافر جهود الجميع من جهات مسؤولة عن التربية والتعليم وأهلية لإنجاح عملية التعلم والتعليم التي عانت الكثير بفعل جائحة الكورونا.


*يجوز الاقتباس واعادة النشر للمقالات شريطة ذكر موقع شؤون تربوية كمصدر والتوثيق حسب الاصول العلمية المتبعة.


34 عرض